بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
أخطر هزائم الدول تلك التي تصيب الفكرة التي بنت عليها الدولة شعورها بالأمان. فحين تكتشف دولة تملك الثروة والنفوذ والمكانة الدينية أن قوتها لا تكفي وحدها لصناعة الطمأنينة، يبدأ السؤال الذي تخشاه الدول أكثر من الحرب نفسها: هل كنا أقوياء حقا، أم أننا كنا نعيش في ظل قوة الآخرين؟ في الحالة السعودية، يفتح الصراع اليمني بابا على أسئلة تتجاوز الميدان العسكري إلى طبيعة القيادة، وحدود القوة، ووهم الحماية الدولية، والعلاقة الملتبسة بين الطموح الشخصي ومصير الدول. وليس من الإنصاف اختزال كل ما تواجهه المملكة في أخطاء رجل واحد، كما ليس من الحكمة إعفاء القيادة السياسية من مسؤولية الخيارات التي اتخذتها، أو من مراجعة افتراضاتها حين يتغير الواقع. فالدول لا تختبر بما تعلنه عن قوتها، بل بما تكشفه الأزمات عن حدود تلك القوة. إنّ المعضلة الاستراتيجية الأعمق التي تواجه السعودية اليوم في هذا الفارق بين امتلاك القوة والشعور بالحصانة، بين القدرة على صناعة الطموح والقدرة على حماية نتائجه من مفاجآت التاريخ. لم تكن المملكة دولة هامشية حتى تحتاج إلى حرب كي تثبت حضورها. إنها دولة ذات ثقل نفطي عالمي، وموقع جغرافي بالغ الحساسية، ومكانة دينية تتجاوز حدودها السياسية. لكن هذه العناصر التي منحتها نفوذا واسعا لا تشكل، في ذاتها، درعا لا يخترق. فالثروة قد تشتري السلاح، لكنها لا تشتري اليقين، والموقع قد يصنع النفوذ، لكنه قد يحول الجغرافيا نفسها إلى نافذة مفتوحة على الأخطار.
منذ انطلاق عملية «عاصفة الحزم» في مارس 2015، دخلت السعودية حربا كان هدفها المعلن دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا ومنع الحوثيين من فرض سيطرتهم بالقوة. غير أنّ السنوات التالية كشفت عن معضلة تتجاوز تفاصيل المعارك: ليس كل تفوق عسكري نصرا سياسيا، وليس كل حرب تبدأ بقرار تنتهي وفقا لإرادة صاحب القرار. فاليمن لم يكن أرضا صامتة تنتظر من يعيد ترتيبها، بل مجتمعا مثقلا بانقساماته وتاريخه وصراعاته، تتداخل فيه الحسابات المحلية مع المنافسات الإقليمية. وحين تتشابك هذه العناصر، تصبح الحرب متاهة تتكاثر فيها المخارج الموهومة كلما ابتعدت النهاية. هنا يبدأ السؤال عن محمد بن سلمان، لا باعتباره شخصا تختزل فيه المملكة كلها، بل باعتباره صاحب القرار في مرحلة راهنت على إعادة تشكيل موقع السعودية في المنطقة والعالم. هل كان الطموح إلى قيادة إقليمية أكثر فاعلية مصحوبا بتقدير كاف لكلفة القوة وحدودها؟ وهل استطاعت الحسابات السياسية أن تستوعب منذ البداية أن الخصم الذي لا يستطيع الانتصار في مواجهة تقليدية قد ينجح في إطالة الحرب، ورفع تكلفتها، وتحويل الزمن نفسه إلى سلاح؟

ذلك هو الفخ الأول: الاعتقاد بأن القدرة على بدء الحرب تعني امتلاك شروط إنهائها. فالقرار العسكري قد يصدر في غرفة مغلقة، لكن نتائجه تتسرب إلى جغرافيا مفتوحة، حيث لا يحتكر أحد صناعة المفاجآت. وقد يكون الخطر الأكبر في الحروب الحديثة أن الطرف الأقوى لا يحتاج إلى الهزيمة كي يخسر؛ يكفي أحيانا أن يستنزف موارده، وتتآكل خياراته، ويصبح استمرار الصراع مكلفا بقدر ما يصبح الانسحاب منه معقدا. وليس الطموح السياسي عيبا في ذاته، بل قد يكون شرطا ضروريا لنهوض الدول. غير أن الطموح يتحول إلى عبء حين يخلط بين مكانة الدولة وصورة قائدها، وبين بناء النفوذ وإثبات القدرة على فرض الإرادة. فالدول ليست مسارح لاستعراض العزيمة، ولا خرائط تجريبية لأحلام الأفراد؛ إنها مؤسسات ومجتمعات وأجيال ستدفع أثمان القرارات حتى بعد أن تتغير أسماء أصحابها. والقائد الحكيم ليس من يفتح أكبر عدد من الأبواب، بل من يعرف أي الأبواب يقود إلى المستقبل، وأيها يفضي إلى غرفة لا نوافذ فيها.
أما الفخ الثاني، فهو وهم الحماية المطلقة. لقد اعتادت دول كثيرة أن تقرأ علاقاتها بالقوى الكبرى كما لو كانت عقود تأمين على بقائها. لكن النظام الدولي لا يعرف الضمانات الأبدية؛ إنه سوق للمصالح المتغيرة، حيث تتقدم الحسابات الاستراتيجية على عبارات الصداقة، وتخضع الالتزامات لتقدير المخاطر والأولويات. وقد تتعاون واشنطن مع الرياض عسكريا وأمنيا، من دون أن يعني ذلك أنها ستخوض كل حرب تخوضها المملكة أو تتدخل بالطريقة التي تتوقعها قيادتها. لذلك، فإن وصف الموقف الغربي بأنه تخلي كامل عن السعودية يحتاج إلى أدلة تتجاوز الانطباعات، تماما كما أن افتراض التدخل الغربي التلقائي في كل أزمة يمثل وهما استراتيجيا. فبين الحليف الذي ينسحب والضامن الذي يتدخل بلا شروط مساحة واسعة من المصالح والتردد والمساومة. والمشكلة ليست في التحالفات، بل في تحويلها إلى بديل عن بناء قدرة ذاتية على الردع وإدارة الأزمات. فالدولة التي تستعير أمنها بالكامل من الخارج قد تكتشف، في اللحظة الحرجة، أن أمنها مرتبط بحسابات لم تشارك في صياغتها.
وتأتي الهجمات التي تستهدف الأراضي السعودية أو منشآتها الحيوية لتعيد طرح السؤال الأكثر حساسية: ما معنى القوة في عصر تستطيع فيه وسائل أقل كلفة أن تهدد أصولا استراتيجية باهظة الثمن؟ قوة فالدول القوية ليست بحجم الإنفاق, بل بقدرتها على حماية بنيتها التحتية، وامتصاص الصدمات، وتقليل فرص الهجوم، ومنع الخصوم من فرض إيقاعهم على قرارها السياسي. ومع ذلك، لا تكفي واقعة هجومية واحدة لإعلان انهيار الردع، ولا يكفي نجاح دفاعي منفرد لإثبات حصانة الدولة. فالتقييم الاستراتيجي يحتاج إلى بيانات موثقة، وقراءة تراكمية للنتائج، لا إلى الانفعال الذي يحول كل حدث إلى نبوءة. ثم يطل شبح «سايكس ـ بيكو» من آخر الممر، محملا بذاكرة عربية مثقلة بالخوف من الخرائط التي يرسمها الآخرون. لكن استدعاء هذا الشبح لا ينبغي أن يتحول إلى يقين بوجود خطة غربية ثابتة لتقسيم السعودية؛ فإثبات مثل هذه المزاعم يحتاج إلى وثائق وأدلة محددة، لا إلى تكرارها حتى تبدو كأنها حقيقة. إن السيناريوهات الجيوسياسية التي تتناول التفكك أو إعادة تشكيل النفوذ ليست، بمجرد وجودها في التحليل، دليلا على مشروع سري لتنفيذها.
ومع ذلك، فإن رفض نظرية المؤامرة لا يعني إنكار المخاطر. فالدول لا تحتاج دائما إلى خصم يرسم لها خريطة التفكك كي تصبح أكثر هشاشة؛ قد تكفيها تناقضات داخلية، أو حروب طويلة، أو اختلالات في توزيع القوة، أو قرارات تتجاوز قدرتها على الاحتمال. أحيانا لا يأتي الخطر من يد تمسك بالقلم فوق الخريطة، بل من شق صغير يتسع في أساس البيت بينما ينشغل ساكنوه بمراقبة الجدران. وللمملكة خصوصية تجعل هذا السؤال أكثر تعقيدا. فموقعها بين الخليج والبحر الأحمر، وثقلها في أسواق الطاقة، واحتضانها مكة المكرمة والمدينة المنورة، تمنحها مكانة استثنائية ومسؤوليات واسعة. لكنها لا تمنحها حصانة من أخطاء الحساب. فالمكانة الدينية لا تلغي الجغرافيا، والثروة لا تعطل قوانين الصراع، والرمزية لا تمنع الخصوم من استغلال الثغرات. بل إن الدولة ذات المكانة الكبيرة قد تكون أكثر حاجة إلى الحذر، لأن أثر الخطأ فيها يتجاوز حدودها إلى الاقتصاد الإقليمي والاستقرار الدولي.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى في مشروع التحول السعودي. كيف يمكن بناء اقتصاد يستهدف جذب الاستثمار والسياحة والتكنولوجيا، وترسيخ صورة المملكة بوصفها مركزا عالميا جديدا، بينما يظل الاستقرار الإقليمي معرضا لاضطرابات تهدد الثقة في المستقبل؟ إن رؤية 2030 ليست مجرد أرقام ومشروعات ومدن جديدة؛ إنها رهان على الزمن، وعلى إقناع العالم بأن الغد السعودي أكثر استقرارا واتساعا من ماضيه. وكلما اتسعت هذه الرؤية، ازدادت الحاجة إلى سياسة خارجية تجعل التسويات جزءا من القوة، وتتعامل مع تجنب الحرب باعتباره إنجازا استراتيجيا لا علامة تراجع. ليس المطلوب أن تتخلى السعودية عن طموحها، ولا أن تقبل بتهديد أمنها، بل أن تعيد النظر في العلاقة بين القوة وكلفتها، وبين الردع واحتمالات التصعيد، وبين الحزم والقدرة على التراجع المحسوب. فالاعتراف بخطأ في التقدير ليس هزيمة للدولة؛ قد يكون بداية إنقاذها من خطأ أكبر. أما القيادة التي ترى في مراجعة الخيارات انتقاصا من هيبتها، فقد تجد نفسها مضطرة إلى الدفاع عن قراراتها القديمة، حتى عندما يصبح ثمن الدفاع عنها أعلى من ثمن تغييرها.
إن التاريخ لا يعاقب الدول لأنّها طمحت إلى الصعود، بل لأنّه لا يمنحها حق تجاهل حدودها. ولا تسقط الدول دائما حين يخترق خصومها حدودها؛ قد تبدأ خسارتها حين تعجز عن التمييز بين القوة والغرور، وبين النفوذ والهيمنة، وبين صورة الانتصار وشروطه الحقيقية. وما يبدو اليوم صراعا على أمن الحدود قد يتحول، إذا أسيء تقديره، إلى اختبار أوسع لقدرة الدولة على حماية مشروعها الاقتصادي ومكانتها السياسية ووحدتها الوطنية. وربما لا تكون السعودية أمام «سايكس ـ بيكو» جديدة، لكن هذا لا يعفيها من امتحان أكثر واقعية: كيف تمنع خصومها من استغلال أخطائها، وكيف تحمي مستقبلها من كلفة صراعات لا تنتهي بمجرد الرغبة في إنهائها؟ فالمشكلة ليست أن يكون للقائد طموح أكبر من اللحظة، بل أن يصبح الطموح أكبر من القدرة على مراجعته. فالتاريخ لا يحتاج إلى مؤامرة كي يفاجئ الدول، ولا يحتاج إلى جيش ينتصر في كل معركة كي يغير مصائرها. يكفي أحيانا أن يترك لها فرصة واحدة لتعيد التفكير، ثم يراقب ما إذا كانت ستستخدمها أم ستبددها في الدفاع عن يقين قديم. فهل تكون الحكمة الاستراتيجية أن تثبت القيادة قدرتها على تغيير الشرق الأوسط، أم أن تثبت أولا قدرتها على حماية بلادها من أثمان الرغبة في تغييره؟
