وقف النار اسم بلا نار في لبنان

جغرافيا تبحث عن نافذة في الجدار

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في جنوب لبنان، حيث تبدو الجبال أحيانا كأنها تحفظ في صخورها ذاكرة أطول من أعمار الدول، لم يكن الليل الماضي ليلا بالمعنى الذي يعرفه البشر. كان شيئا آخر: سقفاً أسودَ انفتح فجأة، ثم سقطت منه القنابل، لا المطر. وفي قرية كفر رمان، قرب النبطية، تحوّل مبنى سكني من ثلاثة طوابق إلى طبقات من الإسمنت والأثاث والكتب المدرسية وذكريات العائلات، فيما كانت الحفارات تنبش الركام بحثا عن الذين لم يعد أحد يعرف إن كانوا أحياء أم صاروا أسماء تنتظر أن تُقرأ. وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان بمقتل أحد عشر شخصا في الضربات الليلية، بينهم طفلان، فيما قتل مسعفان أيضا عندما استُهدفت سيارة كانا فيها. ولعل أكثر ما يثير الرعب في المشهد ليس عدد القتلى وحده، وإنما المفارقة القديمة التي أصبحت في الشرق الأوسط أكثر مهارة من أي كاتب ساخر: هناك وقف لإطلاق النار، ولذلك تستمر الحرب. كأن العبارة نفسها أصبحت مصابة بانفصام سياسي. يقال: وقف إطلاق النار. وتسمع المدافع. يقال: اتفاق. وتتحرك الطائرات. يقال: تهدئة. فيخرج الناس من بيوتهم بحذر، كمن يختبر أرضا يشتبه في أنها قد تكون فخا. ثم تأتي الضربة لتشرح لهم أن السياسة تستطيع أن تنطق بالكلمات، بينما الجغرافيا وحدها هي التي تدفع ثمنها.

بحسب المعطيات المتاحة، جاءت الضربات الجديدة بعد يوم واحد فقط من غارات أخرى أوقعت سبعة قتلى، وفي وقت كثفت فيه إسرائيل عملياتها في جنوب لبنان عقب إعلانها السيطرة على مرتفع علي الطاهر الاستراتيجي قرب النبطية، وهو موقع يكتسب أهمية عسكرية بسبب ارتفاعه وموقعه وقدرته على الإشراف على مساحات واسعة. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية، وهي ليست حكاية قنبلة سقطت على بيت، بل حكاية جغرافيا صارت تكتب السياسة بالمدى الناري. فمرتفع علي الطاهر ليس مجرد تلّ في قاموس الخرائط. في الحروب الحديثة، الجبل ليس حجرا؛ إنه عين. ومن يملك العين يملك شيئا من مستقبل المنطقة. ومن يقف فوق المرتفع يرى ما لا يراه من يقف في الوادي، ومن يملك الرؤية يملك قدرة أكبر على الردع، أو التهديد، أو التفاوض، أو ابتزاز الطاولة السياسية نفسها. ولهذا فإن الصراع على جنوب لبنان ليس صراعا على بضعة كيلومترات من التراب فحسب؛ إنه صراع على السؤال القديم جدا: من يملك حق النظر؟ ومن يملك حق الاقتراب؟ ومن يملك حق أن يقول للآخر: هنا تبدأ حدودي، وهناك يبدأ خوفك؟

ومنذ اتفاق وقف إطلاق النار في يونيو، ظل السلام اللبناني ـ الإسرائيلي هشا، إذ استمرت الضربات والعمليات والاشتباكات، بينما بقي الخلاف الأساسي حول سلاح حزب الله، وانتشار الجيش اللبناني، وانسحاب القوات الإسرائيلية، ومصير المناطق التي باتت إسرائيل تعتبرها جزءا من منطقة أمنية. وتقول إسرائيل إن عملياتها تأتي في سياق مواجهة نشاط حزب الله، بينما يرى لبنان أن استمرار الضربات يقوّض الاتفاق ويهدد سيادته. وهنا، لو كان الجاحظ جالسا في مقهى بيروتيا اليوم، وقد وصلته الأخبار قبل فنجان القهوة، لربما وضع الصحيفة جانبا وقال: ما أغرب الإنسان! لقد اخترع الدبلوماسية لكي يمنع الحرب، ثم اخترع لغةً تجعل الحرب قادرة على أن تستمر وهي تحمل اسم الدبلوماسية. ولربما كتب في هامش المخطوطة: «إن القوم إذا اختلفوا في معنى السلام، اختلفوا أولا في معنى الحياة.» فالسلام بالنسبة إلى الدولة قد يكون ترتيبات أمنية، ومناطق عازلة، ونزع سلاح، وضمانات، وآليات مراقبة. أما بالنسبة إلى امرأة في كفر رمان، فقد يكون شيئا أكثر تواضعا بكثير: أن تنام ليلتها دون أن تهتز النافذة.

وهنا تتكشف المسافة المرعبة بين السلام بوصفه مفهوما سياسيا، والسلام بوصفه تجربة بشرية. الأول يوقعه الوزراء. الثاني ينام في سرير طفل. الأول له بنود. الثاني له قلب. الأول يمكن أن تتعثر مفاوضاته. الثاني إذا تعثر، مات صاحبه. ولهذا تبدو صورة الحفارة بين أنقاض كفر رمان أكثر بلاغة من عشرات المؤتمرات الصحفية. حفارة صغيرة، ذراعها المعدنية تتحرك وسط الركام، كأنها إصبع عملاق يحاول أن يقلب صفحة من كتاب لم يعد يعرف أين تبدأ مقدمته وأين تنتهي نهايته. في مكان ما تحت الحجارة قد تكون لعبة طفل. وفي مكان آخر قد يكون دفتر مدرسي. وهذه الأشياء الصغيرة هي التي تجعل الحرب أكثر فظاعة من خرائط الجنرالات. فالجنرال يرى مبنى. أما الأم فترى غرفة. الجيش يرى هدفا محتملا. أما الطفل فيرى سقفا. الخريطة ترى نقطة. أما الإنسان فيرى العالم كله. وقد يكون هذا هو الفرق بين السياسة والحياة: السياسة تختصر المكان كي تستطيع إدارته؛ الحياة توسّعه كي تستطيع أن تحبه. إن الضربة التي دمرت مبنى سكنياً في كفر رمان وأوقعت تسعة قتلى، وفق الوكالة الوطنية للإعلام، لم تدمر الإسمنت وحده؛ لقد دمرت ذلك الوهم الصغير الذي يحاول المدنيون الاحتفاظ به في كل حرب: أن البيت يمكن أن يبقى بيتاً حتى عندما يصبح الوطن نفسه جبهة.

وهذا الوهم هو آخر ما يبقى للناس عندما تنهار كل الضمانات الأخرى. الإنسان في الحرب لا يطلب كثيرا. لا يطلب نهاية التاريخ. ولا يطلب انتصارا كونيا. ولا يطلب أن تتحول الأمم المتحدة إلى ملاك بجناحين. إنه يريد فقط أن تبقى الملعقة في المطبخ، والباب في مكانه، والطفل في سريره، والصباح قادراً على أن يأتي دون أن يسبقه انفجار. لكن جنوب لبنان لم يعد يعيش في زمن الصباحات العادية. لقد أصبح يعيش في زمن الاحتمال. وهذه ربما أقسى صور الحرب الحديثة: ألا تموت فقط من القصف، بل أن تعيش وأنت تنتظر القصف. أن يصبح الصوت البعيد جزءا من جهازك العصبي. أن تسمع طائرة في السماء، فتتوقف المحادثة. أن ترى ضوءا في الليل، فتفكر: هل هو ضوء سيارة أم صاروخ؟ أن يصبح الهاتف المحمول جهازا للأخبار، ومنبها للخوف، ودفتر نعي إلكترونيا في الوقت نفسه. وهكذا تتحول الحرب من حدث يقع خارج الإنسان إلى شيء يسكن داخله. تدخل إلى نومه. إلى معدته. إلى ذاكرته. إلى طريقة جلوسه قرب النافذة. إلى الطريقة التي يودع بها أبناءه. إلى الجملة التي يقولها قبل النوم: «إن شاء الله بكرا خير». وما أبلغ هذه الجملة اللبنانية البسيطة. «بكرا خير.» كأن الشعب بأكمله يضع المستقبل في صيغة دعاء صغيرة، ثم يذهب إلى النوم. لكن المشكلة أنّ الغد في جنوب لبنان صار يصل أحيانا محمولا على جناح طائرة.

إسرائيل تقول إن حزب الله انتهك الهدنة مراراً، وتربط عملياتها بمحاولة منع التنظيم من إعادة بناء قدراته العسكرية قرب حدودها. وقد أشارت تقارير حديثة إلى استمرار الهجمات المتبادلة، وإلى أن التفاهم الذي رعته الولايات المتحدة في يونيو لم ينجح حتى الآن في حل العقدة المركزية: ماذا يحدث لسلاح حزب الله، ومتى تنسحب إسرائيل، ومن يضمن ألا يتحول الجنوب مرة أخرى إلى منصة للحرب؟ هذه هي الحقيقة التي ينبغي ألا تفسدها الدعاية من أي طرف: هناك مخاوف أمنية إسرائيلية حقيقية، وهناك أيضا سيادة لبنانية منتهكة، وهناك حزب مسلح داخل دولة، وهناك دولة إسرائيلية تستخدم القوة العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، وهناك مدنيون يدفعون الثمن في الوسط. والتحليل الجاد لا يحتاج إلى أن يحول العالم إلى ملائكة وشياطين. يكفي أن يقول الحقيقة في اتجاهاتها كلها. فإذا كانت إسرائيل ترى أن وجود بنية عسكرية لحزب الله في الجنوب تهديد لأمنها، فإن ذلك لا يمنحها شيكا مفتوحا على حياة المدنيين. وإذا كان حزب الله يعتبر سلاحه ضرورة لمواجهة إسرائيل، فإن ذلك لا يجعل الجنوب اللبناني ملكا عسكريا حصريا له، ولا يلغي حق الدولة اللبنانية في احتكار القوة. وإذا كان لبنان يريد سيادة كاملة، فإن السيادة لا تعني فقط أن ترفع الدولة علمها فوق الحدود؛ تعني أيضا أن يكون قرار الحرب والسلم قرار الدولة، لا قرار التنظيمات ولا الدول الإقليمية.

وهذه هي العقدة الكبرى. لبنان ليس مجرد ساحة بين إسرائيل وحزب الله. إنه أيضا ساحة بين الدولة والدويلة، وبين السيادة والنفوذ، وبين المحلي والإقليمي، وبين واشنطن وطهران، وبين أمن إسرائيل وطموحات إيران، وبين ما تريده بيروت وما تستطيع بيروت فعله. ومن هنا يصبح جنوب لبنان مرآة صغيرة للشرق الأوسط كله. في هذه المرآة يمكن رؤية إيران دون أن تكون إيران حاضرة بالضرورة في كل بيت. ويمكن رؤية إسرائيل وهي تنظر إلى حدودها عبر عدسة أمنية عمرها عقود. ويمكن رؤية حزب الله بوصفه تنظيما لبنانيا مسلحا وامتدادا لمحور إقليمي في آن واحد. ويمكن رؤية الدولة اللبنانية وهي تحاول استعادة مساحة القرار من بين أيدي الجميع. ويمكن رؤية الولايات المتحدة وهي تحاول أن تفعل شيئا بالغ الصعوبة: أن تكون في الوقت نفسه وسيطا وضامنا وحليفا لإسرائيل وقوة ضغط على الأطراف. وهكذا يصبح لبنان، مرة أخرى، تلك الدولة الصغيرة التي يبدو أن العالم اكتشف أنها أكبر من حجمها الجغرافي. لبنان الذي لا يملك مساحة كافية لحرب واحدة، وجد نفسه منذ عقود يعيش في ظل حروب الآخرين أيضا.

لكن ثمة سؤالا أخلاقيا لا ينبغي أن يضيع بين خرائط الجنرالات: ماذا يعني أن يموت طفل في حرب يقول أطرافها إنهم يقاتلون من أجل الأمن؟ هذا السؤال ليس دعائيا. إنه فلسفي. بل ربما هو السؤال الوحيد الذي لا تستطيع الصواريخ الإجابة عنه. فالطفل لا يحمل صاروخا. ولا يفاوض. ولا يملك خريطة عمليات. ولا يعرف ما هو «الردع» ولا «المنطقة العازلة» ولا «المعادلة الإقليمية». إنه يعرف شيئا واحدا: أن هناك سقفا فوق رأسه. وعندما يسقط السقف، يسقط معه العالم كله. لهذا كانت الحضارات القديمة أكثر حكمة مما نظن أحيانا حين قالت إن الحرب لا تقتل الجنود وحدهم. هوميروس عرف ذلك. تولستوي عرفه. غويا رسمه. والتاريخ العربي حفظه في أمثال لا تحتاج إلى أكاديمية عسكرية كي تُفهم: «على نفسها جنت براقش.» لكن الشرق الأوسط المعاصر يبدو أحيانا كأنه قرر أن يعيد قراءة الأمثال لا لكي يتعلم منها، بل لكي يختبر حدود قدرتها على الاحتمال. وكلما ظن العالم أن الحرب انتهت، اكتشف أنها غيّرت اسمها فقط. هدنة. تفاهم. ترتيب أمني. عملية محدودة. رد على خرق. ضربة استباقية. ضربة انتقامية. ضربة وقائية. ثم ضربة على الضربة. حتى يصبح قاموس الحرب مثل بيت من المرايا: كل كلمة تعكس كلمة أخرى، وكل فعل يجد لنفسه مبرراً في فعل سبقه. وهنا تكمن أخطر مشكلة في منطق الصراع: عندما يصبح كل طرف قادرا على تفسير العنف باعتباره ردا، فإن العنف يصبح بلا بداية. لا أحد يبدأ. الجميع يرد. لا أحد يصنع الحرب. الجميع يمنعها. لا أحد يصعّد. الجميع يدافع. وهكذا تصبح الحرب كأنها ظاهرة مناخية. تمطر القنابل، ولا أحد مسؤول عن المطر.

في كفر رمان، لا يهم الركام كثيرا إن كان قد سقط بسبب معادلة إقليمية أو عملية ردعية أو استهداف لبنية عسكرية. الركام لا يقرأ البيانات. والميت لا يعرف أي وزارة أعلنت المسؤولية. والطفل لا يفهم لماذا كان بيته، الذي لم يكن بالنسبة إليه سوى بيت، موجودا في منطقة تحمل في ملفات الأمن أسماءً أخرى. وهنا تتقدم الأخلاق على السياسة. ليس المطلوب أن نختار رواية طرف ونبتلع الأخرى. المطلوب أن نعيد الإنسان إلى مركز الرواية. أن نقول: نعم، لإسرائيل حق في الأمن. ونعم، للبنان حق في السيادة. ونعم، يجب منع الهجمات على المدنيين. ونعم، يجب نزع فتيل عسكرة الحدود. ونعم، لا يمكن بناء سلام دائم مع بقاء دولة عاجزة عن احتكار قرار الحرب. ونعم، لا يمكن بناء سلام دائم أيضاً إذا بقيت أراضي دولة أخرى مفتوحة أمام العمليات العسكرية بلا نهاية. هذه ليست مساواة سطحية بين كل الأفعال. إنها محاولة للعودة إلى المبدأ الأكثر بداهة: أمن الإنسان لا يمكن أن يكون ملكا لطرف واحد.

ولعل أكثر ما يبعث على الحزن أن كفر رمان لم تكن بحاجة إلى أن تصبح خبرا عالميا. كانت تحتاج فقط إلى أن تبقى قرية. وهذه ربما هي الجملة التي ينبغي أن تُكتب على مدخل كل منطقة حرب: دعوا القرى تكون قرى. دعوا الأشجار تكون أشجارا. دعوا المدارس مدارس. دعوا سيارات الإسعاف سيارات إسعاف. دعوا الأطفال يخطئون في حل مسائل الرياضيات بدلاً من أن يتعلموا الفرق بين صوت الطائرة وصوت المدفع. فالإنسانية تبدأ أحياناً من أشياء صغيرة جداً. من طفل يحمل حقيبة. من امرأة تفتح نافذة. من رجل يعود من عمله. من عجوز يسقي شجرة زيتون. هذه التفاصيل الصغيرة هي الحضارة. أما الحرب فهي الفن العظيم في تدمير التفاصيل. وإذا كان للجغرافيا ذاكرة، فإن جنوب لبنان يحمل ذاكرة لا تكاد تتسع لها الجبال. حروب عربية ـ إسرائيلية. اجتياحات. احتلال. مقاومة. انسحابات. حروب أهلية وإقليمية متداخلة. حزب الله. إيران. إسرائيل. الأمم المتحدة. قرارات دولية. خطوط زرقاء. خرائط. أنفاق. صواريخ. طائرات مسيرة. كل طبقة من التاريخ لم تمح الطبقة التي قبلها؛ بل دفنتها فوقها. ولهذا عندما تحفر حفارة اليوم في كفر رمان، فهي لا تحفر فقط بحثا عن ناج. إنها تحفر، من حيث لا تدري، في طبقات قرن كامل من الأسئلة التي لم تجد جوابا. كل حجر في الجنوب يمكن أن يكون وثيقة. كل تل يمكن أن يكون موقعا عسكريا. كل بيت يمكن أن يكون ذاكرة. وكل ذاكرة يمكن أن تصبح وقوداً للحرب التالية. وهكذا لا يعود السؤال: متى تنتهي الحرب؟ بل يصبح: متى يتوقف الماضي عن إنتاج المستقبل؟

ربما كان الفيلسوف اليوناني هيراقليطس سيبتسم بحزن لو رأى الشرق الأوسط، ذلك العالم الذي يبدو أنه يطبق حكمته القديمة بصورة شديدة الحرفية: كل شيء يتغير. لكن شيئا واحدا لا يتغير. الناس يموتون بالطريقة نفسها. الأمهات يبكين بالطريقة نفسها. الأطفال يخافون بالطريقة نفسها. والسياسيون، على اختلاف لغاتهم، يجدون دائما جملة تشرح لماذا كان الأمر ضروريا. إن مأساة كفر رمان لا تكمن فقط في أن أحد عشر إنسانا قتلوا، وفق التقارير اللبنانية، وإنما في أنها جاءت في اللحظة التي يفترض فيها أن تكون لغة السياسة قد بدأت تعمل. وهنا يجب أن نكون أكثر قسوة مع الدبلوماسية نفسها. فالهدنة التي لا تحمي الناس ليست سلاما مكتمل الأركان. والاتفاق الذي لا يملك آليات تنفيذ قوية ليس سوى ورقة تنتظر أول صاروخ. والوساطة التي لا تستطيع تحويل الالتزامات إلى واقع يومي تتحول مع الوقت إلى طقس احتفالي: يجتمع المسؤولون، تُلتقط الصور، تُصدر البيانات، ثم تستيقظ القرى على هدير الطائرات. السلام ليس مؤتمرا. السلام بنية تحتية. يحتاج إلى حدود واضحة. ومراقبة. وضمانات. وقوة دولة شرعية. وتفاهمات إقليمية. وقنوات اتصال مباشرة. وآلية للتحقيق في الانتهاكات. وثمن سياسي لمن يخرق الاتفاق. والأهم من ذلك كله: يحتاج إلى أن يدرك كل طرف أن المكسب العسكري الذي يحقق اليوم قد يكون خسارة سياسية غدا. وهذا هو الدرس الذي يبدو أن الشرق الأوسط ينساه باستمرار: ليس كل انتصار عسكري انتصارا سياسيا. يمكنك أن تسيطر على تل. لكن ماذا تفعل بعد ذلك؟ يمكنك أن تدمر مخزنا. لكن ماذا تفعل في اليوم التالي؟ يمكنك أن تقتل مقاتلا. لكن هل قتلت الفكرة التي جعلته مقاتلا؟ يمكنك أن تهدم نفقا. لكن هل هدمت الخوف الذي صنعه؟ الحرب تستطيع أن تغير ميزان القوى. لكنها نادرا ما تستطيع أن تغير ذاكرة الناس. والذاكرة، في الشرق الأوسط، ليست مستودعا هادئا. إنها جيش آخر.

لذلك فإن الصورة القادمة من كفر رمان، صورة الحفارة وهي تقضم الركام، يجب ألا تُقرأ بوصفها صورة من حرب بعيدة. إنها صورة عن فشل سياسي أعمق. فشل في جعل الاتفاق أقوى من السلاح. فشل في جعل الحدود أقل توترا من الذاكرة. فشل في إقناع الأطراف بأن بقاء خصمك على قيد الحياة ليس بالضرورة تهديدا لوجودك. وفشل عالمي أيضاً في إنتاج نظام إقليمي يستطيع أن يقول بوضوح: كفى. ليس لأن طرفا انتصر. وليس لأن طرفا انهزم. بل لأن الطفل الذي لم يعرف شيئا عن كل هذه الحسابات ليس ورقة تفاوض. مرتفع علي الطاهر، وعن حزب الله، وعن إسرائيل، وعن الاتفاقات الأمريكية، وعن السلاح والحدود والممرات والأنفاق والتوازنات الإقليمية. لكن هناك أشياء لن تظهر في كتب الاستراتيجية. سيكتب طفل، لو نجا، اسمه على دفتر. وقد تكون أمه قد احتفظت به. وسيكون ذلك الدفتر أكثر صدقا من ألف خريط . فالتاريخ الرسمي يحب القادة. أما التاريخ الحقيقي فيبدأ أحيانا من اسم طفل تحت الأنقاض. ولعل الجاحظ، لو خرج اليوم من مكتبته وسار بين ركام كفر رمان، لن يبحث عن أطول خطبة في السياسة، ولا عن أعظم نظرية في الحرب، بل سيحدق في الحجارة قليلا، ثم يقول عبارته التي كان يمكن أن تولد من قلب هذا العصر: لقد أكثرتم من الكلام حتى صار الصمت أبلغ منكم. ثم يمضي. ويبقى الجنوب. ويبقى الليل. ويبقى السؤال معلقا فوق الجبال: كم مرة يستطيع وقف النار أن يُقتل قبل أن نعترف بأنه لم يكن قد وُلد بعد؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *