من ذهب برن إلى تقشّف بودابست… أين تقف فرنسا في سوق الامتيازات السياسية؟
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك أرقام لا تبدو خطيرة إلا عندما توضع إلى جوار بعضها. 4,500 يورو هنا. 7,000 هناك. 10,700 في باريس. 18 ألفاً في برلين. وأكثر من 40 ألفاً في برن. وفجأة، يتحول راتب الوزير من رقم محاسبي إلى خريطة سياسية؛ خريطة تكشف كيف تنظر كل دولة إلى الرجل الذي يجلس خلف باب الوزارة، وإلى قيمة القرار الذي يصدر من مكتبه، وإلى المسافة التي ينبغي أن تفصل صاحب السلطة عن المواطن العادي. في أوروبا، لا يوجد «سعر» موحد للوزارة. هناك دول تضع المسؤول في قمة هرم الأجور، وأخرى تجعله يعيش على دخل مرتفع لكنه ليس أسطورياً، وثالثة تتعمد تقليص راتبه لتبعث رسالة سياسية إلى مجتمع يطلب من الجميع أن يشدوا الأحزمة. وفي باريس، حيث تستعد الحكومة لميزانية 2027 وسط ضغط العجز والحاجة إلى تقليص النفقات، عاد السؤال القديم من تحت الرماد: هل الوزراء الفرنسيون يتقاضون أكثر مما ينبغي؟ أم أن المشكلة ليست في الراتب أصلاً، بل في الطريقة التي تُدار بها دولة تبلغ نفقاتها ومستحقاتها مستويات لا يمكن لراتب وزير، مهما كان مرتفعاً، أن يغيرها؟
فرنسا: عشرة آلاف يورو بين المطرقة والمرآة
منذ عهد فرانسوا هولاند، يحمل راتب الوزير الفرنسي إرثا سياسيا خاصا. ففي 2012، وبعد وصول هولاند إلى قصر الإليزيه، جرى خفض أجور كبار المسؤولين في السلطة التنفيذية بنسبة 30%. انخفض راتب الوزير من نحو 14,200 يورو إلى 9,940 يورو شهريا. كان القرار أشبه بإشارة ضوئية في بداية الطريق: السلطة أيضا مطالبة بالتضحية. اليوم، تشير المعطيات المتداولة إلى أن الوزير الفرنسي يتلقى نحو 10,700 يورو إجمالا شهريا، وإن كانت بعض الأرقام المتداولة في المادة تشير إلى 9,940 يورو؛ وهو اختلاف ينبغي حسمه في أي مقارنة إحصائية نهائية. ومع ذلك، فإن الصورة العامة واضحة: فرنسا ليست في قمة أوروبا من حيث أجور الوزراء، لكنها بالتأكيد ليست في القاع. وهنا تبدأ الرحلة.
أوروبا في عشرة رواتب
| الدولة | راتب الوزير الشهري التقريبي | الموقع في المقارنة |
|---|---|---|
| سويسرا | أكثر من 41,000 € | القمة |
| ألمانيا | نحو 17,990 € | مرتفع جدا |
| بريطانيا | نحو 16,000 €* | مرتفع |
| بلجيكا | نحو 13,500 € صافي | مرتفع |
| فنلندا | نحو 11,344 € إجمالي | مرتفع |
| فرنسا | نحو 10,700 € إجمالي | فوق المتوسط |
| إيطاليا | نحو 9,203 € + بدلات | متوسط/مرتفع |
| البرتغال | نحو 7,000 € | متوسط |
| إسبانيا | نحو 6,617 € | متوسط/منخفض |
| المجر(هنغاريا) | نحو 3,800–5,000 € | منخفض |
| بولندا(بولونيا) | نحو 4,500 € | منخفض |
الرقم البريطاني المشار إليه يتضمن دخل النائب والوزير معا، ولذلك لا ينبغي مقارنته آليا بالرواتب الوزارية الخالصة في الدول الأخرى. لكن هذا الجدول، رغم بريقه، لا يقول الحقيقة كاملة. فالراتب الإجمالي ليس الصافي، والصافي ليس القوة الشرائية، والقوة الشرائية ليست قيمة المنصب.
برن: حيث يجلس الوزير فوق سحابة مالية
إذا كان للمال في أوروبا قصر، فربما كانت بوابته في سويسرا. عضو المجلس الفدرالي السويسري يحصل على نحو 478,166 فرنكا سويسريا سنويا، أي ما يقارب نصف مليون يورو، أو أكثر من 41 ألف يورو شهريا. إنه رقم يجعل راتب الوزير الفرنسي يبدو، للمقارنة، أقرب إلى راتب مدير تنفيذي منه إلى دخل أحد كبار رجال الدولة. لكن سويسرا حالة استثنائية. عضو المجلس الفدرالي ليس مجرد وزير بالمعنى الفرنسي؛ النظام السويسري يمنح أعضاء المجلس موقعا يجمع بين وظائف حكومية وسيادية في بنية سياسية شديدة الخصوصية. وفوق ذلك، فإن سويسرا واحدة من أغلى البيئات المعيشية في أوروبا. لذلك لا يمكن قراءة الـ41 ألف يورو كما لو أنها 41 ألف يورو في باريس أو مدريد أو وارسو. العملة واحدة، لكن الحياة التي تُشترى بها ليست واحدة.
برلين: ألمانيا تدفع ثمنا أعلى لكرسي الوزارة
في ألمانيا، يصل راتب الوزير الفدرالي إلى نحو 17,990 يورو إجمالا شهريا. أي بفارق كبير عن فرنسا. وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات إثارة في المقارنة. فرنسا وألمانيا هما قلب المحرك السياسي والاقتصادي للاتحاد الأوروبي، لكنهما لا تسعران السلطة التنفيذية بالسعر نفسه. هل يعني ذلك أن الوزير الألماني «أغلى»؟ نعم، من الناحية الحسابية. هل يعني أنه «أفضل»؟ قطعاً لا. فالراتب لا يشتري الكفاءة السياسية، كما أن انخفاضه لا يثبت النزاهة. إنّه يعكس، قبل كل شيء، هندسة الدولة نفسها: قوانين الأجور، تقاليد الخدمة العامة، الضرائب، المكانة السياسية للمنصب، وطريقة تعويض المسؤولين.
لندن: حين يرتدي الوزير قبعتين
في بريطانيا تصبح المقارنة أكثر تعقيدا. فالوزير الذي يشغل مقعدا في مجلس العموم يحصل على دخل يجمع بين راتبه كنائب وتعويضه الوزاري، ليصل وفق الأرقام المشار إليها إلى نحو 171,053 جنيها إسترلينيا سنويا. وهنا نصل إلى مشكلة جوهرية في كل المقارنات الأوروبية: هل نقارن راتب الوزير أم إجمالي دخل السياسي؟ الفارق ليس تفصيلا. قد يبدو السياسي البريطاني أكثر دخلا من نظيره الفرنسي، لكن جزءا من هذا الدخل يعود إلى عضويته في البرلمان، لا إلى الوزارة وحدها. لذلك فإن ترتيب الدول في جدول واحد قد يكون جذابا للعين، لكنه يحتاج إلى هامش تحذير كبير.
بروكسل وهلسنكي: المنطقة الرمادية فوق باريس
في بلجيكا، تشير الأرقام المتداولة إلى نحو 13,500 يورو صاف شهريا للوزير الفدرالي. وفي فنلندا، يصل الراتب إلى نحو 11,344 يورو إجمالا شهريا. أي أن فرنسا، وفق الأرقام المستخدمة هنا، تقع أسفل هذين المستويين. لكن مرة أخرى:
نحن نقارن صافيا بإجمالي في بعض الحالات، ونقارن أنظمة مختلفة في حالات أخرى. وهذه ليست مشكلة صغيرة. فالضريبة التي تقتطعها الدولة من راتب الوزير قد تجعل وزيراً يتقاضى 13 ألفاً إجمالاً في بلد ما أقل دخلاً فعلياً من وزير يتقاضى 11 ألفا في بلد آخر. لهذا السبب، فإن المقارنة الجادة لا ينبغي أن تتوقف عند خانة «كم يتقاضى؟»، بل يجب أن تسأل:كم يبقى له؟ وكم يكلفه العيش؟ وكم يكسب المواطن العادي في البلد نفسه؟
روما: الراتب الذي تختبئ خلفه البدلات
إيطاليا تقدم درسا آخر في تعقيد الأرقام. الراتب الأساسي المشار إليه يبلغ نحو 9,203 يورو إجمالا شهريا، لكن هناك أيضا بدلات مرتبطة بالمصاريف. وقد يصل أحد هذه المكونات إلى نحو 3,503 يورو شهريا. وهكذا يصبح السؤال أكثر إثارة: إذا كان وزير يحصل على راتب أساسي أقل من وزير فرنسي، لكنّه يتلقى بدلات إضافية، فهل هو فعلا أقل أجرا؟ ليس بالضرورة. الراتب الظاهر ليس دائما الدخل الحقيقي. وهذه القاعدة ينبغي أن تُكتب بأحرف كبيرة فوق كل جدول يقارن أجور السياسيين.
مدريد ولشبونة: فرنسا تبدو فجأة دولة سخية
عندما نصل إلى إسبانيا والبرتغال، تتغير الصورة. في إسبانيا، يبلغ راتب الوزير نحو 79,415 يورو سنويا، أي ما يقارب 6,617 يورو شهريا. وفي البرتغال، يدور الراتب حول 7,000 يورو شهريا. هنا تبدو فرنسا أكثر سخاء. فإذا كان الوزير الفرنسي يتلقى نحو 10,700يورو إجمالا، فإن الفارق عن نظيره الإسباني يقترب من 4,000 يورو شهريا. وعند تحويل ذلك إلى سنة كاملة، يصبح الفارق أكثر وضوحا. لكن حتى هنا، يجب الحذر. ارتفاع الراتب لا يعني تلقائيا ارتفاع الثراء الحقيقي. فالمقارنة العادلة يجب أن تأخذ في الاعتبار الدخل المتوسط للمواطن، والأسعار، والضرائب، والامتيازات. فالـ10 آلاف يورو في بلد ليست هي الـ10 آلاف يورو في بلد آخر.
وارسو وبودابست: التقشف يصل إلى باب الوزارة
في بولندا، يبلغ الراتب المشار إليه نحو 4,500 يورو شهريا. أما المجر فقد اتجهت إلى خفض كبير في أجور الوزراء، لتصبح في نطاق يقارب 3,800 إلى 5,000 يورو. وهنا تظهر مفارقة سياسية شديدة الأهمية. إن خفض راتب وزير واحد لن ينقذ ميزانية دولة. لن يسدد العجز. لن يخفض الدين العام. ولن يوقف عجلة التضخم. لكن السياسة ليست دائما عملية جمع وطرح. أحياناً تكون السياسة لغة رمزية. عندما يرى المواطن وزيراً يخفض راتبه، فقد لا يفكر في ملايين الدولارات التي ستوفرها الخزينة، بل في شيء أكثر بدائية وأشد تأثيرا: «إنهم يدفعون أيضا.»

الراتب ليس المشكلة… إلا عندما يصبح رمزا لها
وهنا نصل إلى قلب القضية الفرنسية. خفض رواتب الوزراء قد يكون ضعيف الأثر على الحسابات العملاقة للدولة. لكن قوته تكمن في الصورة. إنه يقول إن التقشف لا يبدأ من أسفل الهرم فقط. لكن ثمة خطرا معاكسا أيضا. فإذا تحولت السياسة إلى مسابقة في خفض أجور المسؤولين، فقد تصبح الدولة عاجزة عن منافسة القطاع الخاص في جذب بعض الكفاءات والخبرات. ولا ينبغي أن ننسى أن الوزير لا يبيع ساعات عمله فقط. إنّه يتحمل مسؤولية قرارات قد تؤثر في ملايين البشر، وميزانيات بمليارات، وأزمات أمنية واقتصادية واجتماعية. لذلك فإن السؤال ليس: هل الوزير يستحق عشرة آلاف يورو؟ بل: هل الدولة تدفع له سعرا عادلا مقابل المسؤولية التي يتحملها، وهل يعرف المواطن بوضوح كل ما يحصل عليه، وكل ما تنفقه الدولة حول منصبه؟
الثمن الحقيقي للوزارة لا يوجد في قسيمة الراتب
الوزارة ليست شخصا. وراء الوزير جهاز كامل. مستشارون. موظفون. سيارات. سفر. أمن. مكاتب. اتصالات. إدارة. بروتوكول. وحين يقال إن الوزير يتقاضى 10,700 يورو، فهذا لا يعني أن الدولة تنفق 10,700 يورو فقط لكي يكون هناك وزير. إنّه أشبه بقولنا إن سعر قبطان السفينة هو ثمن السفينة. الراتب هو القبطان، أما الميزانية فهي البحر كله. ولهذا، إذا أرادت حكومة لوكورنو أن تقدم خفض تعويضات الوزراء بوصفه مساهمة في ضبط المالية العامة، فإن أثره المالي المباشر سيكون محدودا جدا مقارنة بحجم عجز الدولة. أما أثره السياسي، فقد يكون أكبر بكثير.
العدالة ليست أن يتقاضى الجميع الرقم نفسه
هناك وهم شائع في النقاش العام: أن العدالة تعني أن يحصل الجميع على الأجر نفسه. لكن الدولة الحديثة لا تعمل بهذه الطريقة. المشكلة ليست أن الوزير يتقاضى أكثر من المعلم أو الممرض أو الموظف. من الطبيعي أن تختلف الأجور وفق المسؤولية والتخصص والخبرة. المشكلة تبدأ عندما يصبح الفارق غير مفهوم أو غير قابل للتبرير. عندما يشعر المواطن أن الوزير يعيش في عالم آخر، وأن القواعد التي تحكم حياته اليومية لا تنطبق على أصحاب القرار، فإن الرقم يتحول إلى استفزاز. وعندما يشعر أن راتب المسؤول جزء من نظام واضح، شفاف، ومراقب، فإن الرقم نفسه يصبح أقل إثارة. الشفافية قد تكون أهم من التخفيض.
فرنسا ليست سويسرا… وليست المجر
إذا أردنا اختصار المشهد الأوروبي كلّه في جملة واحدة، فيمكن القول: فرنسا تقع في الطبقة العليا من أجور الوزراء الأوروبيين، لكنها ليست في القمة. هي أدنى بكثير من سويسرا وألمانيا وفق الأرقام المقارنة المستخدمة هنا، وأعلى من إسبانيا والبرتغال وبولندا والمجر. وهي قريبة من منطقة إيطاليا وفنلندا، مع اختلاف طرق احتساب الدخل والبدلات. وهذا يعني أن صورة «الوزير الفرنسي الثري جدا مقارنة بكل أوروبا» غير دقيقة. لكن صورة «الوزير الفرنسي الذي يعيش على راتب متواضع» ليست دقيقة أيضا. الحقيقة أكثر إثارة: فرنسا تدفع لمسؤوليها التنفيذيين أجرا مرتفعا نسبيا، في دولة تعيش في الوقت نفسه معركة طويلة حول حجم الإنفاق العام والضرائب والعجز. ومن هنا تأتي حساسية اللّحظة.
2027: عندما يصبح الراتب امتحانا للسلطة
إذا خُفضت رواتب الوزراء الفرنسيين في ميزانية 2027، فلن تكون فرنسا قد وجدت علاجا لعجزها. لكنها ستكون قد أرسلت رسالة. وقد تكون هذه الرسالة أهم من المبلغ نفسه. فالميزانية ليست دفتر أرقام فقط. إنها أيضا مسرح للعدالة. وفي هذا المسرح، لا ينظر المواطن فقط إلى ما تسحبه الدولة من جيبه، بل ينظر إلى ما يبقى في جيوب الذين يمسكون مفاتيحها. وهنا يصبح راتب الوزير مرآة. إن كان الفرق مع المواطن يبدو معقولا، انعكس في المرآة معنى المسؤولية. وإن بدا الفرق كأنه جدار زجاجي يفصل عالمين، تحوّل الراتب إلى رمز للامتياز.
كم تساوي السلطة؟
ربما لا توجد إجابة واحدة. في سويسرا، تساوي عشرات الآلاف من اليوروهات شهريا. في ألمانيا، تقترب من 18 ألفا. في فرنسا، تدور حول عشرة آلاف. في إسبانيا والبرتغال، تهبط إلى منطقة الستة والسبعة آلاف. وفي بولندا والمجر، يمكن أن تنزل إلى أقل من خمسة آلاف. لكن الحقيقة الأعمق تختبئ خلف هذه الأرقام كلها: لا توجد علاقة بسيطة بين قيمة السياسي وقيمة راتبه. فالوزير الذي يتقاضى 40 ألفا ليس بالضرورة أفضل من الوزير الذي يتقاضى 5 آلاف. والوزير الذي يتقاضى 5 آلاف ليس بالضرورة أكثر نزاهة من صاحب الـ40 ألفا. ما يهم هو ما يحدث بعد الراتب: هل توجد رقابة؟ هل توجد شفافية؟ هل توجد مساءلة؟ هل تُدار الأموال العامة بكفاءة؟ وهل يشعر المواطن أن من يطلب منه التضحية مستعد لأن يتقاسم معه شيئا من ثقلها؟ لذلك، حين تفتح فرنسا في2027دفتر الحسابات، لن يكون السؤال الحقيقي كم ستقتطع من راتب الوزير. السؤال سيكون أكبر بكثير: هل تستطيع الجمهورية أن تجعل المواطن يصدق أن الذين يقفون في أعلى السلم يشعرون، ولو قليلا، بثقل الصعود الذي يُطلب من الجميع تحمّله؟ ففي النهاية، ليست المشكلة في عدد الأصفار خلف راتب الوزير. المشكلة تبدأ عندما تصبح تلك الأصفار أعلى من قدرة المواطن على فهم العدالة.
