فلسطين: حين يتحول الوعي إلى صبر

بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاغن-الدنمارك

ثمة شعوب لا تختصر قضيتها في لحظة سياسية عابرة، ولا تختزل ذاكرتها في خطاب موسمي. وهناك شعوب يصبح الوعي لديها جزءا من الذاكرة، ويغدو الصبر شكلا من أشكال المقاومة، ويتحول التمسك بالحق إلى عهد تتناقله الأجيال. والشعب الفلسطيني واحد من هذه الشعوب. فلسطين ليست مجرد قضية تُستعاد في البيانات والمؤتمرات، ولا مجرد عنوان يتصدر نشرات الأخبار عندما تشتد الأزمات. إنها قضية شعب حمل ذاكرته معه، وحافظ على روايته الوطنية رغم عقود طويلة من الاقتلاع والنزوح والاحتلال والحروب، وظل متمسكا بحقه في الحرية والكرامة وتقرير المصير. لقد تعلم الفلسطينيون أن الطريق إلى الحقوق التاريخية ليس قصيرا، وأن النضال السياسي والإنساني يحتاج إلى نفس طويل، وإلى وعي يتجاوز لحظة الغضب نحو بناء موقف قادر على الصمود أمام الزمن.

فلسطين… قضية تتجاوز حدود الجغرافيا

ما يمنح القضية الفلسطينية حضورها الاستثنائي أنها لم تعد شأنا محصورا في جغرافيا فلسطين وحدها. فقد تحولت، على امتداد عقود، إلى قضية حاضرة في الضمير العربي والإسلامي، وإلى مسألة إنسانية وسياسية وقانونية تتردد أصداؤها في عواصم العالم ومنظماته ومؤسساته المدنية. وفي العالم العربي والإسلامي، ظلت فلسطين حاضرة في وجدان الشعوب، لا باعتبارها قضية سياسية فحسب، وإنما بوصفها جزءا من الذاكرة الجماعية والثقافة والتاريخ. أما في أوروبا، فقد اتسعت خلال السنوات الأخيرة دوائر التضامن الشعبي والمدني مع الحقوق الفلسطينية، وبرزت أحزاب وحركات وجمعيات وشخصيات سياسية وحقوقية ترى أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على تجاهل حقوق شعب بأكمله، وأن العدالة لا ينبغي أن تكون انتقائية. وفي الدنمارك، كما في دول أوروبية أخرى، أصبح التضامن مع الفلسطينيين مساحة يلتقي فيها ناشطون ومثقفون وأحزاب وجمعيات مجتمع مدني وجاليات عربية وإسلامية، تجمعهم قناعة بأن الدفاع عن حقوق الإنسان لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الجغرافيا أو الهوية.

من ذاكرة الألم إلى ثقافة الأمل

لقد عانى الفلسطينيون كثيرا. مدن وقرى دمرت، عائلات شُرّدت، أطفال فقدوا آباءهم وأمهاتهم، ودور عبادة ومساحات مدنية أصابها الدمار في سياق حروب وصراعات تركت جراحا عميقة في الذاكرة الفلسطينية. لكن الشعوب لا تُقاس فقط بحجم ما تعرضت له من الألم، وإنما أيضًا بقدرتها على تحويل الألم إلى معنى، والذاكرة إلى قوة، والمأساة إلى إصرار على بناء المستقبل. وهنا تكمن إحدى أهم سمات التجربة الفلسطينية. ففلسطين ليست فقط ذاكرة النكبة واللجوء والحروب؛ إنها أيضًا ذاكرة الزيتون، والأرض، والقرية، والمدينة، والبيت، والمدرسة، والكنيسة، والمسجد، والحياة اليومية التي يريد الفلسطيني أن يستعيد حقه في أن يعيشها بأمان وكرامة. إن شجرة الزيتون في الوجدان الفلسطيني ليست مجرد شجرة. إنها صورة للأرض المتجذرة في أصحابها، ولذاكرة لا تموت، ولزمن يستطيع أن يطول لكنه لا يستطيع أن يمحو الجذور.

النضال يحتاج إلى وعي كما يحتاج إلى صبر

إن الدفاع عن فلسطين اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد رد فعل على الأحداث، بل مشروع وعي سياسي وحقوقي وإنساني طويل الأمد. وهذا يعني أن يكون الصوت الفلسطيني حاضرًا في المؤسسات الدولية، وفي الجامعات، وفي وسائل الإعلام، وفي المجالس المنتخبة، وفي المجتمع المدني، وفي كل فضاء يستطيع أن يحول القضية من مجرد صورة مؤلمة إلى سؤال سياسي وقانوني واضح. فالقضايا العادلة تحتاج إلى أصوات تعرف كيف تتحدث بلغة العالم، وتعرف كيف تقدم حجتها، وتدافع عن حقوق شعبها بالحجة والقانون والوعي السياسي. ومن هنا تبرز أهمية المشاركة الفلسطينية في المحافل الدولية، وأهمية وجود شخصيات تمتلك الكفاءة والثقافة السياسية والقدرة على تمثيل القضية الفلسطينية بصورة مسؤولة ومقنعة. ففلسطين تحتاج إلى المناضل الذي يحمل ذاكرته، لكنها تحتاج أيضًا إلى السياسي الذي يفهم المؤسسات، والمثقف الذي يعرف كيف يخاطب الآخر، والدبلوماسي الذي يستطيع أن يحول التعاطف إلى موقف، والناشط الذي يعرف كيف يبني الجسور بدل أن يكتفي برفع الشعارات.

كوبنهاغن… مساحة أخرى للصوت الفلسطيني

اللقاء المرتقب في العاصمة الدنماركية يمثل فرصة تتجاوز مجرد الحضور الرمزي. إنه مناسبة لكي يلتقي أبناء الجالية الفلسطينية والعربية والإسلامية، ومعهم كل المتضامنين من أبناء المجتمع الدنماركي والأوروبي، حول قضية تحتاج إلى تنظيم الجهود وتوحيد الخطاب وتطوير أدوات العمل السياسي والمدني. وفي مثل هذه اللقاءات، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: ماذا نقول عن فلسطين؟ بل أيضا: ماذا نستطيع أن نفعل من أجل أن يبقى صوت فلسطين حاضرًا ومؤثرًا في المؤسسات الدولية؟ إن الانتخابات المرتقبة لاختيار من يمثل الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية تكتسب، في هذا السياق، أهمية خاصة. فالتمثيل ليس امتيازًا شخصيا، بل مسؤولية عامة. ومن حق كل فلسطيني يمتلك الكفاءة والنزاهة والثقافة السياسية والقدرة على الدفاع عن قضيته أن يشارك، وأن يترشح، وأن يساهم في صناعة الصوت الفلسطيني في الفضاء الدولي. فالقضية الفلسطينية لا تحتاج فقط إلى الحماس. إنها تحتاج إلى كفاءة تصنع الفرق، ووعي يعرف الطريق، وخطاب يستطيع أن يصل إلى الآخر.

فلسطين تجمع ولا تفرق

ولعل إحدى أهم رسائل المرحلة المقبلة أن فلسطين قادرة على أن تكون نقطة التقاء، لا ساحة انقسام. فهي قضية يتقاطع حول عدالتها فلسطينيون وعرب ومسلمون، كما يتقاطع حولها ناشطون أوروبيون، وأحزاب يسارية، ومنظمات حقوقية، وجمعيات مجتمع مدني، ومثقفون وشخصيات عامة ترى أن حقوق الشعوب لا تتجزأ. وهذا التضامن الدولي، مهما اختلفت دوافعه وتنوعت أشكاله، يكتسب قيمته عندما يتحول إلى عمل سياسي ومدني مستمر، لا إلى موجة عاطفية مرتبطة بحدث معين. إن فلسطين تحتاج إلى تضامن يعرف كيف يستمر عندما تخفت الكاميرات، وكيف يعمل عندما تتغير العناوين، وكيف يحافظ على حضوره في المؤسسات والجامعات والبرلمانات والمجتمع المدني. فالمعركة من أجل الحقوق لا تُحسم فقط في ساحات المواجهة، وإنما تُخاض أيضا في ساحات الوعي والقانون والدبلوماسية والإعلام والسياسة.

أن تبقى فلسطين حاضرة

سيبقى الفلسطيني متمسكا بحقه في وطنه، وبحقه في الحرية والكرامة وتقرير المصير، وبحلمه في دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية وفق المرجعيات والقرارات الدولية ذات الصلة. وسيظل حق العودة والذاكرة الفلسطينية جزءا أساسيا من وجدان ملايين الفلسطينيين في الداخل والشتات. لكن الأهم أن تتحول هذه الذاكرة إلى طاقة لبناء المستقبل. ففلسطين التي يريدها أبناؤها ليست مجرد صورة من الماضي؛ إنها وطن يريد أن يعيش فيه أطفاله بأمان، وأن يزرع فيه مزارعوه أرضهم، وأن تعود إليه الحياة، وأن تُصان فيه دور العبادة، وأن يعيش فيه المسلم والمسيحي، الفلسطيني بكل مكوناته، في ظل دولة القانون والكرامة والحرية. إن شجرة الزيتون التي تنبت في الأرض الفلسطينية تحمل في رمزيتها ما هو أعمق من السياسة.

إنها تقول إن الجذور أبطأ من الريح، لكنها أبقى منها. وقد يكون هذا هو الدرس الأهم في التجربة الفلسطينية: أن الصبر ليس استسلاما، وأن الذاكرة ليست سجنا، وأن النضال لا يعني فقدان الأمل. فالشعوب التي تعرف قضيتها، وتحسن الدفاع عنها، وتؤمن بعدالتها، تستطيع أن تجعل من الزمن حليفا لا خصما. وفلسطين، بعد كل هذه العقود، ما زالت حاضرة. حاضرة في الأرض والذاكرة. حاضرة في المخيمات والمدن والشتات. وحاضرة في شوارع كوبنهاغن، كما في عواصم عربية وأوروبية كثيرة. ويبقى الرهان الحقيقي هو أن يتحول هذا الحضور إلى وعي منظم، وإلى عمل سياسي ومدني مسؤول، وإلى تمثيل قادر على مخاطبة العالم بلغة القانون والحق والإنسان. فالقضايا العادلة لا تنتصر بالصوت الأعلى وحده، وإنما بالنفس الأطول، والحجة الأقوى، والوعي الأعمق، والقدرة على تحويل التضامن إلى فعل. وفلسطين تستحق كل ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *