مذكرة جيو-استراتيجية بقلم عبد الرحمان مكاوي-باريس
ثمة تحول هادئ، لكنه عميق، يجري في الجغرافيا الاستراتيجية للنفوذ الإيراني. فالحرب التي انفجرت في 28 فبراير 2026 بضربات أمريكية وإسرائيلية واسعة على إيران لم تنتج، حتى الآن، انكفاءً إيرانيا بالمعنى التقليدي؛ بل دفعت طهران إلى إعادة توزيع مخاطرها ومواردها وشبكاتها خارج المسرح الإيراني المباشر. وتبدو النتيجة الأهم في انتقال جزء من ثقل المواجهة من «العمق الإقليمي» إلى فضاءات أبعد: إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وشبكات المال والشتات والأسواق غير الرسمية. وهنا ينبغي تعديل صورة «محور المقاومة» نفسها. فقد كان المحور، في صيغته الكلاسيكية، منظومة جغرافية تتمركز في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغزة. أما اليوم، فإن بعض أدواته وشبكاته المالية والأمنية باتت تعمل وفق منطق أكثر عولمة: النفوذ لا يحتاج دائما إلى أرض محتلة أو ميليشيا مسلحة؛ قد يحتاج إلى ميناء، أو شركة، أو شبكة حوالة، أو جالية، أو جامعة، أو صفقة سلاح، أو علاقة مع نظام سياسي معزول. ومن هذه الزاوية، فإن ما يمكن تسميته بـ«محور النفوذ الإيراني المعولم» لا يمثل بالضرورة تنظيما واحدا ولا غرفة عمليات مركزية تمتد من طهران إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية. الأدق أنه منظومة من الأدوات المتقاطعة: الدولة الإيرانية، والحرس الثوري، وحزب الله، وشبكات تجارية ومالية، ومؤسسات ثقافية ودينية، وشركاء محليون، تتفاوت درجة اتصالهم بطهران ودرجة استقلالهم عنها.
أولا: الشرق الأوسط لم ينته؛ لكنّه لم يعد كافيا
كان الرهان الإيراني لعقود يقوم على مفهوم «الدفاع المتقدم»: إبقاء الخصم بعيدا عن الأراضي الإيرانية عبر شبكة من الحلفاء والوكلاء. غير أن حرب 2026 أظهرت حدود هذا النموذج. فقد تعرضت إيران نفسها لضربات مباشرة واسعة، بينما امتدت تداعيات الحرب إلى عدد كبير من دول المنطقة. وفي 10 مارس، تحدث رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي عن تعرض 12 دولة في المنطقة لهجمات إيرانية، من قبرص إلى الخليج، بينما وثقت مصادر متعددة استهداف قطر والإمارات والبحرين والكويت وغيرها بالصواريخ والمسيّرات. والأهم أن الضربات لم تقتصر على الأهداف العسكرية. فقد امتد الصراع إلى البنية التحتية للطاقة والموانئ والمنشآت الحيوية. وفي مارس، تعرضت منشآت طاقة خليجية لهجمات، بما فيها منشآت الغاز والطاقة في قطر، في إطار تصعيد جعل أمن الطاقة العالمي جزءا مباشرا من المعادلة العسكرية.
وهنا تظهر وظيفة جديدة للمجال الخليجي بالنسبة إلى طهران: ليس فقط ساحة لإيصال الرسائل العسكرية، بل ساحة لإعادة توزيع كلفة الحرب على النظام الاقتصادي العالمي. فمضيق هرمز، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه نحو 54 كيلومتراً، ليس مجرد ممر بحري إيراني-خليجي؛ إنه شريان للطاقة الآسيوية والعالمية. وقد تحول منذ فبراير إلى واحدة من أهم أوراق الضغط في الحرب. وتكشف التطورات الأخيرة أن إعادة فتح المضيق نفسها أصبحت جزءاً من المساومة السياسية بين طهران وواشنطن. وهذا يحمل مفارقة استراتيجية: إيران تضغط على المشترين الآسيويين للنفط من خلال تهديد حرية الملاحة، لكنها في الوقت نفسه تضغط على شركائها الاقتصاديين، وفي مقدمتهم الصين والهند. أي أن سلاح هرمز قوي، لكنه سلاح ذو حدين. الخليج يبحث عن هندسة أمنية جديدة الأكثر أهمية من الضربات نفسها هو رد الفعل السياسي عليها. في 7 أغسطس 2026 وقعت السعودية وتركيا وباكستان «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، ونص الاتفاق على أن الهجوم المسلح على دولة من الدول الثلاث يعامل باعتباره هجوما عليها جميعا كما أنشأ الاتفاق آليات سياسية وعسكرية للتنسيق والتعاون الدفاعي. لكن من الضروري تصحيح قراءة شائعة لهذا التطور: الاتفاق ليس اتفاقا نوويا. فوجود باكستان كدولة نووية ضمن الاتفاق يمنحه وزناً استراتيجيا، لكن مسؤولاً سعودياً أكد أن الاتفاق لا يرتبط بطموح نووي أو بسباق تسلح نووي. كما أكدت تركيا أن الاتفاق لا يسمي إيران، أو أي دولة أخرى، عدواً مشتركا مع ذلك، فإن دلالته الجيوسياسية واضحة: دول المنطقة بدأت تتعامل مع احتمال تراجع الاعتماد الحصري على المظلة الأمنية الأمريكية، وتسعى إلى بناء طبقات إضافية من الردع والتعاون. وهكذا، قد يكون التحول الأكبر الذي أحدثته حرب 2026 ليس في قوة إيران وحدها، بل في إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها.
ثانيا: الساحل الإفريقي – من الفراغ الأمني إلى اقتصاد الصفقة
إذا كان الخليج هو المجال الذي تحاول فيه إيران فرض كلفة مباشرة على خصومها، فإن الساحل الإفريقي يمثل نموذجا مختلفا تماماً: النفوذ عبر الصفقة. فمنذ سلسلة الانقلابات التي شهدتها منطقة الساحل، وتراجع الحضور الفرنسي، برز فراغ أمني وسياسي واقتصادي جذب قوى خارجية متعددة، وفي مقدمتها روسيا وتركيا وإيران. وقد وثق مركز الخليج للأبحاث أن إيران كثفت تعاونها العسكري والأمني مع دول الساحل، خصوصاً بعد انسحاب القوات الفرنسية من دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وأن طهران وقعت في مايو 2025 مذكرة تفاهم أمنية مع النيجر لإنشاء لجنة خبراء مشتركة لتسهيل تبادل المعلومات الاستخبارية. لكن أكثر الملفات حساسية هو ملف اليورانيوم. في 2024 ظهرت تقارير عن مفاوضات سرية بين إيران والنيجر للحصول على نحو 300 طن من اليورانيوم المركز «yellowcake». وأكدت تقارير فرنسية أن حكومة النيجر نفت آنذاك إبرام اتفاق نهائي، بينما أشارت مصادر بحثية أمريكية إلى وجود مفاوضات بشأن صفقة محتملة تتضمن اليورانيوم مقابل طائرات مسيّرة وصواريخ أرض-جو.
وهنا يجب توخي الدقة: لا توجد، في المصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها، أدلة كافية للقول إن إيران تسلمت فعلا 300 طن من اليورانيوم مقابل أسلحة. الثابت هو وجود مفاوضات وتقارير استخبارية عن صفقة محتملة؛ أما إتمام الصفقة فليس حقيقة مثبتة علنا. لكن حتى المفاوضات ذاتها تحمل دلالة استراتيجية. فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى «السيطرة» على النيجر. يكفي أن تصبح قادرة على تقديم شيء تحتاج إليه السلطة المحلية – مسيّرات، دفاع جوي، تدريب أمني، تكنولوجيا، تعاون زراعي أو سياسي – مقابل شيء تحتاج إليه هي: مواد خام، نفوذ، وصول اقتصادي، أو غطاء دبلوماسي. هذه هي اقتصاديات النفوذ الجديدة. ليست «ثورة إيرانية» تصدر إلى إفريقيا بقدر ما هي مقايضة بين أنظمة تبحث عن السيادة والاستقلال عن الغرب، ودولة إيرانية تبحث عن منافذ لتجاوز العزلة والعقوبات. وتؤكد دراسات عن النشاط الإيراني في إفريقيا أن طهران استخدمت صادراتها العسكرية، وخاصة المسيّرات، كأداة لتوسيع النفوذ السياسي والاقتصادي، وأنها بحثت عن علاقات جديدة في القارة في ظل العقوبات المفروضة على اقتصادها.
لكن السلاح ليس سوى طبقة واحدة من البنية. إيران تعرف أن النفوذ المستدام لا يبنى بالأسلحة وحدها. لذلك توسعت مؤسساتها الثقافية والدينية في بيئات إسلامية، بما في ذلك عبر المنح والتعليم الديني والعلاقات مع المجتمعات الشيعية. وتشير دراسات حول النشاط الإيراني وحزب الله في إفريقيا إلى استخدام المؤسسات الثقافية الإيرانية للتأثير في بعض المجتمعات الشيعية في نيجيريا وتنزانيا والنيجر وسواها. وهنا يجب تجنب خطأ استراتيجي شائع: ليس كل شيعي في إفريقيا جزءاً من مشروع إيراني، وليس كل مؤسسة ثقافية إيرانية واجهة استخبارية. الخلط بين المجتمع والدولة والتنظيم المسلح يفسد التحليل بدلا من أن يقويه. المسألة الحقيقية هي معرفة متى تتحول الروابط الثقافية والدينية إلى شبكات نفوذ سياسية أو مالية أو أمنية.
ثالثا: حزب الله -البنية المالية التي تتجاوز الدولة اللبنانية
إذا كانت إيران توفر التمويل والسلاح والدعم الاستراتيجي لحزب الله، فإن الحزب طور، على مدى عقود، قدرة مستقلة نسبيا على جمع الأموال والتحرك عبر شبكات اقتصادية عالمية. وهذه النقطة مهمة جدا لفهم إفريقيا وأمريكا اللاتينية. فالدراسات المتخصصة تشير إلى أن حزب الله ركز في إفريقيا على البلدان التي توجد فيها جاليات لبنانية وشيعية، وأن أنشطته شملت جمع الأموال، والتمويل، والأنشطة الإجرامية، وتأمين ونقل الأسلحة، وبناء علاقات مع جماعات محلية. وتبرز سيراليون والسنغال وغامبيا وساحل العاج ضمن البيئات التي وردت في هذه الدراسات. كما وثقت تقارير صحفية تحقيقات أمريكية وأوروبية حول استخدام شبكات تجارية وتحويلات غير رسمية وعمليات غسل أموال في غرب إفريقيا لإرسال الأموال إلى لبنان. وتشير دراسة لـ«لوموند» إلى دور شبكات لبنانية في ساحل العاج وغينيا وفي استخدام التجارة والتحويلات غير الرسمية، بما فيها نظام الحوالة، في نقل الأموال. والأهم هنا أن الحديث عن «الشتات اللبناني» يجب أن يكون شديد الدقة. فالشتات ليس كتلة واحدة، ولا يصح تحميله مسؤولية نشاط حزب الله. الذي تستخدمه الشبكات المرتبطة بالحزب هو جزء من البنية التجارية والاجتماعية الموجودة داخل بعض مجتمعات الاغتراب. وهذا فرق جوهري بين تحليل استراتيجي رصين وبين خطاب التعميم.
في يونيو/يوليو 2025 ظهرت قضية أكثر دلالة: ضبط 8.2 مليون دولار نقدا في مطار بيروت، كانت بحوزة ثلاثة مسافرين، اثنان منهم قادمان من كينشاسا في جمهورية الكونغو الديمقراطية والثالث من إسطنبول. ووفق التقارير التي نقلت عن مصادر قضائية وأمنية لبنانية، كان أصحاب الأموال يقولون إنهم ينقلونها نيابة عن رجال أعمال لبنانيين في إفريقيا. هذه الواقعة لا تثبت وحدها أن المبلغ كان تابعا لحزب الله. لكنها تكشف شيئا أهم: وجود ممرات مالية عابرة للقارات تستطيع تحويل السيولة من إفريقيا إلى لبنان خارج القنوات المالية التقليدية. ومن هنا ينبغي أن يصبح مسار كينشاسا ـ بيروت مؤشرا استخباريا، لا لأن كل تحويل عليه غير قانوني، بل لأن تراكم التحويلات النقدية غير الاعتيادية يمكن أن يكشف البنية التي تتحرك داخلها شبكات التمويل.
رابعا: أمريكا اللاتينية حين يلتقي النفوذ الإيراني بالجريمة المنظمة
في أمريكا اللاتينية تصبح الصورة أكثر تعقيدا. هنا لا تعمل إيران وحزب الله في فراغ سياسي. توجد شبكات مخدرات، اقتصاد نقدي، حدود رخوة، مناطق حرة، فساد، شركات واجهة، ومجتمعات لبنانية مهاجرة قديمة. ومن أبرز العقد: فنزويلا، جزيرة مارغريتا، والحدود الثلاثية بين البرازيل والأرجنتين وباراغواي. وقد وثق «Soufan Center» استمرار وجود شبكات مرتبطة بحزب الله في فنزويلا، مشيراً إلى دور جزيرة مارغريتا كبيئة مناسبة للأعمال كثيفة السيولة والتجارة والسفر، وإلى ارتباط شبكات الحزب في البلاد بأنشطة تشمل الاتجار بالمخدرات وغسل الأموال والتهريب. كما تشير الدراسات إلى امتداد تاريخي لنشاط حزب الله في منطقة الحدود الثلاثية، حيث تتقاطع شبكات الجريمة المنظمة مع تهريب السلع والأسلحة والمخدرات وغسل الأموال. أما الرقم المتداول حول 43 مليار دولار سنويا في اقتصاد الحدود الثلاثية، فينبغي التعامل معه بحذر. فهو يعود إلى تقديرات وتقارير قديمة عن الحجم الكلي للأنشطة الإجرامية في المنطقة، وليس رقما يمثل أموال حزب الله أو الأموال الإيرانية. وهذا تمييز بالغ الأهمية: وجود حزب الله داخل بيئة إجرامية لا يعني أن كل الاقتصاد الإجرامي هو اقتصاد حزب الله. لكن البيئة نفسها تمنح التنظيم ميزة استراتيجية: الوصول إلى خبرة مالية، وشبكات تهريب، وشركات واجهة، وطرق نقل، ووسطاء يمكن استخدامهم في عمليات لا تحتاج إلى بصمة إيرانية مباشرة.
خامسا: من الجريمة إلى العمليات السرية
أكثر ما يلفت النظر في أمريكا اللاتينية ليس فقط المال، بل الانتقال المحتمل من التمويل إلى العمليات. في نوفمبر 2025 أعلنت الولايات المتحدة والمكسيك أن السلطات المكسيكية أحبطت مؤامرة نسبت إلى فيلق القدس لاستهداف السفيرة الإسرائيلية في المكسيك. ووفق مسؤول أمريكي نقلت عنه رويترز، بدأت الخطة في أواخر 2024 واستمرت إلى النصف الأول من 2025، مع صلة مزعومة بشبكات عملت انطلاقا من السفارة الإيرانية في فنزويلا. إيران رفضت الاتهامات. وفي بيرو، أعلنت السلطات في مارس 2024 القبض على الإيراني مجيد عزيزي، الذي قالت الشرطة والسلطات القضائية إنه مرتبط بفيلق القدس، واتهمته بالتخطيط لهجوم على مواطن إسرائيلي. وفي نوفمبر من العام نفسه أعيد اعتقاله بعد خروجه من البلاد، بينما استمرت الإجراءات القضائية بحقه. هذه الحالات لا تثبت وجود «جبهة إيرانية لاتينية» موحدة، لكنها تكشف أن الجغرافيا البعيدة يمكن أن تتحول إلى عمق عملياتي عندما تتوفر شبكات محلية وغطاء تجاري أو دبلوماسي وبيئة أمنية مناسبة. وفي البرازيل، أحبطت الشرطة الفيدرالية عام 2023 مخططاً استهدف منشآت مرتبطة بالجالية اليهودية، واعتقلت أشخاصا قالت التحقيقات إن لهم صلات بحزب الله. وبذلك تتضح ثلاثة مستويات متمايزة: التمويل، ثم اللوجستيات، ثم القدرة العملياتية. والخطر الاستراتيجي لا يبدأ عند المستوى الثالث؛ بل عندما تتصل المستويات الثلاثة ببعضها.
سادسا: كوبا- حالة تحتاج إلى حذر أكبر
أما كوبا، فتحتاج إلى قراءة أكثر تحفظا من الصيغة الواردة في بعض التقارير المتداولة. هناك تقارير حديثة تنسب إلى تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية حديثا حديثا عن علاقات بين مؤسسة «ICAP»الكوبية وشبكات دولية مرتبطة بإيران، وتورد أرقاما مثل 86 دولة و39 عقدة في أنحاء العالم. لكن المصدر المفتوح الذي أمكن الوصول إليه هنا ليس النسخة الرسمية المنشورة مباشرة على موقع وزارة الخارجية الأمريكية، بل مواد ثانوية تعيد نقل مضمون التقرير. لذلك لا يصح بناء استنتاج استراتيجي كبير على هذه الأرقام وحدها قبل الرجوع إلى النص الرسمي الكامل. لكن حتى بصرف النظر عن هذه الجزئية، تظل كوبا وفنزويلا فضاءين مهمين في الحساب الإيراني لأسباب أبسط وأكثر ثباتا العلاقات السياسية، العزلة عن واشنطن، الخبرة في التعامل مع العقوبات، والقدرة على توفير قنوات دبلوماسية واقتصادية بديلة.
السمة المشتركة: إيران لا تصدر الثورة؛ إنها تصدر القدرة على البقاء
من هنا يمكن إعادة صياغة المسألة كلها. إيران في 2026 لا تحتاج إلى أن تجعل إفريقيا أو أمريكا اللاتينية «إيرانية». ولا تملك أصلا الموارد التي تسمح لها ببناء إمبراطورية جغرافية تقليدية. ما تفعله – أو تحاول فعله – أكثر تواضعا وأكثر واقعية: أن تجعل العالم الخارجي شبكة من نقاط الارتكاز. في الخليج: الصاروخ والمسيّرة والطاقة والممر البحري. في الساحل: السلاح والتدريب والمواد الخام والدبلوماسية. في غرب إفريقيا: الشتات والتجارة والحوالة والاقتصاد غير الرسمي. في فنزويلا: الممرات التجارية، الاقتصاد النقدي، شبكات الجريمة، والغطاء السياسي. وفي أمريكا اللاتينية الأوسع: القدرة على العمل بعيدا عن الشرق الأوسط، مع إمكانية استخدام شبكات محلية لا تحمل بالضرورة بصمة إيرانية مباشرة. وهذا هو جوهر التحول. فـ«محور المقاومة» لم يعد من الضروري أن يُفهم باعتباره سلسلة جبهات عسكرية متجاورة من طهران إلى البحر المتوسط. يمكن فهمه أيضاً باعتباره شبكة من القدرات الموزعة: بعضها عسكري، وبعضها مالي، وبعضها ثقافي، وبعضها إجرامي، وبعضها دبلوماسي. لكن لا ينبغي، في المقابل، تحويل هذا التصور إلى أسطورة عن شبكة إيرانية تتحكم في كل شيء. فدرجة اتصال هذه الشبكات بطهران متفاوتة جداً، وبعضها يتحرك بدوافع محلية أو إجرامية مستقلة. القوة هنا ليست في السيطرة الكاملة. القوة في القدرة على الاتصال.
الخلاصة: الجغرافيا الجديدة للصراع
الحرب التي بدأت في 28 فبراير 2026 دفعت إيران إلى اختبار معادلة جديدة: إذا كان العمق الإيراني نفسه قابلا للاستهداف، فإن قيمة العمق الخارجي ترتفع. ليس المقصود بالضرورة نقل «الحرب» إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية، بل نقل بعض وظائف الدولة المحاصرة إلى الخارج. وهنا تكمن أهمية النموذج الإيراني. الدولة التي تتعرض لعقوبات وحصار وضربات عسكرية تستطيع تخفيف هشاشتها إذا امتلكت:
– شركاء سياسيين في دول بعيدة؛
– أسواقا بديلة؛
– شبكات مالية غير رسمية؛
– مجتمعات اغتراب قادرة على تسهيل الحركة؛
– مورّدين للمواد الاستراتيجية؛
– بنية نقل ولوجستيات؛
– وأذرعا أو شركاء يستطيعون تنفيذ عمليات لا تحتاج إلى توقيع الدولة الأم.
إنها استراتيجية بقاء موزعة جغرافيا. ومن هذه الزاوية، فإن السؤال بالنسبة إلى الرباط وواشنطن وأوروبا لم يعد فقط: أين توجد الصواريخ الإيرانية؟ السؤال الأكثر أهمية هو: أين توجد نقاط الاتصال التي تسمح للصاروخ والمال والمادة الخام والمعلومة والشخص بأن تتحرك بين القارات؟ ولهذا تبدو ثلاثة مسارات جديرة بالمراقبة بصورة خاصة: كينشاسا ـ بيروت: بوصفه مثالاً على انتقال السيولة بين إفريقيا ولبنان؛ مارغريتا ـ فضاء أمريكا اللاتينية ـ لبنان: بوصفه نموذجاً لتقاطع الاقتصاد النقدي والتهريب والشبكات المرتبطة بحزب الله؛ النيجر ـ إيران: بوصفه حالة اختبار للعلاقة بين المواد الاستراتيجية والتعاون الأمني والعسكري. لكن الهدف الاستخباري لا ينبغي أن يكون إثبات «نظرية مؤامرة» مسبقا، بل رصد المؤشرات قبل أن تتحول إلى بنية. وهذا يتطلب مراقبة العقود، والشركات، والتحويلات، والطيران، والشحن، والجامعات، والمؤسسات الثقافية، وتراخيص التعدين، وصفقات المسيّرات، وحركة الأشخاص بين غرب إفريقيا ولبنان، وبين فنزويلا والشرق الأوسط. ففي القرن الحادي والعشرين، قد لا يبدأ الانتشار الاستراتيجي بصاروخ. قد يبدأ بعقد تجاري صغير. وقد لا تعبر الشبكة الحدود بجواز سفر. قد تعبرها فاتورة. وقد لا تكون أخطر قطعة في هذه المنظومة طائرة مسيّرة. قد تكون شركة تبدو قانونية تماماً، في المكان الخطأ، وفي الوقت الخطأ، مرتبطة بالأشخاص الخطأ. وهنا بالضبط تتحدد الجغرافيا الجديدة للنفوذ الإيراني: ليست إمبراطورية من الأراضي، وإنما أرخبيل من نقاط الارتكاز. ومن يراقب الأراضي وحدها، قد يرى الخريطة القديمة؛ أما من يراقب المال والمواد الخام واللوجستيات والشتات والشبكات، فسيرى الخريطة التي تتشكل الآن.
