بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة طفل يولد في غرفة للولادة، وفي اللّحظة نفسها يولد في مكان آخر شيء لا يراه أحد: خصم صغير يضاف إلى راتب أمه، درجة تنقص من سلم ترقيتها، ساعة عمل تتقلص، باب مهني يغلق بهدوء، ونظرة غامضة تقول لها، من دون أن تنطق: لقد أصبحت الآن أمّا. كأن الوليد، الذي جاء إلى العالم حاملا يديه الصغيرتين وقلبا لم يتعلم بعد كيف يطلب الحليب، يدخل سوق العمل قبله بقليل ويجلس في مجلس الإدارة ليقول للمديرين: هذه المرأة لم تعد كما كانت. هنا تبدأ الحكاية التي يسميها تقرير حديث للمجلس الأعلى للمساواة بين النساء والرجال في فرنسا «العقوبة الأمومية». والتعبير نفسه يصلح لأن يكون عنوانا لرواية كافكاوية، أو حكاية من حكايات الجاحظ لو أن الجاحظ عاش حتى عصر الموارد البشرية، وأصبح له مكتب في شركة متعددة الجنسيات، يراقب الموظفات وهن يدخلن إلى الاجتماعات بأجهزة الحاسوب وقلوبهن موزعة بين جدول الأعمال وجدول نوم طفل لم يتعلم بعد الفرق بين منتصف الليل ومنتصف النهار.
لكن المفارقة ليست في أن المرأة تصبح أما. المفارقة أن المجتمع، بعد آلاف السنين من الفلسفة والشرائع والثورات والإعلانات عن الحرية والمساواة، ما زال يتصرف أحيانا كأن الأمومة حادث مهني ينبغي إدراجه في خانة المخاطر. لقد جاء الطفل، فكان ينبغي أن يكون الاحتفال احتفالين: احتفال بإنسان جديد، واحتفال بامرأة تستطيع أن تكون أما وموظفة ومواطنة وصاحبة مشروع وحياة في الوقت نفسه. لكن شيئا آخر يحدث. يولد الطفل، فتولد معه أسئلة قديمة جدا ترتدي بدلة حديثة: هل ستعود إلى العمل؟ هل ستستطيع السفر؟ هل ستقبل ساعات إضافية؟ هل ستكون متاحة؟ هل ستطمح إلى منصب أعلى؟ هل ستتحمل المسؤولية؟ وفي مكان ما، في عقل المؤسسة أو في لاوعيها، قد يظهر السؤال الأكثر قسوة: هل ستنجب مرة أخرى؟ وهكذا تصبح المرأة، في بعض البيئات المهنية، كائنا يعيش تحت شبهة مستقبلية. لا يعاقب فقط لأنها أم، بل يمكن أن يعاقب لأنها قد تصبح أما.
يا لها من عبقرية بيروقراطية! لم تعد العقوبة بحاجة إلى الجريمة؛ يكفي احتمال وقوعها. وهذا هو «سقف الأم» الذي يتحدث عنه التقرير: ذلك الحاجز غير المرئي الذي يجعل المرأة بعد الأمومة تبدو في بعض العيون أقل توافرا، وأقل قدرة على التنقل، وأقل طموحا، حتى عندما لا تكون أقل من أي شيء. إنه سقف مصنوع من مادة شفافة. لا تستطيع المرأة أن تراه، لكنها تصطدم به كلما حاولت الصعود. ولعل أكثر ما يدهش في المسألة أن العقوبة لا تبدأ عند لحظة الولادة، كما لو أن المستشفى هو نقطة الصفر، بل قبلها بسنوات طويلة، في المدرسة، وفي الألعاب، وفي القصص التي يقال فيها للبنت: ساعدي أمك، رتبي، اهتمي، انتبهي إلى الآخرين؛ بينما يقال للصبي، في المقابل: اذهب، جرب، نافس، اكسر، اصنع، افشل ثم حاول من جديد. كأن المجتمع يوزع على الأطفال خرائط سرية قبل أن يعرفوا معنى كلمة «مستقبل». يعطي البنت بوصلة تشير إلى الآخرين، ويعطي الصبي بوصلة تشير إلى نفسه. ثم، بعد عشرين عاما، يفتح الجميع أفواههم في دهشة مصطنعة ويسألون: لماذا اختارت النساء وظائف الرعاية والتعليم والصحة والعمل الاجتماعي والخدمات الشخصية أكثر من الرجال؟ إنها واحدة من أقدم حيل التاريخ: أن نزرع شجرة في اتجاه معين، ثم نلومها لأنها لم تنم في الاتجاه الآخر.
يقول التقرير إن 77.5 في المائة من العاملين بدوام جزئي في فرنسا هن من النساء. وهذا الرقم، إذا تأملناه طويلا، يتوقف عن أن يكون رقما. يصبح امرأة. امرأة خرجت من العمل الكامل إلى نصف الوقت، ليس بالضرورة لأنها رغبت في نصف حياة مهنية، بل لأن هناك طفلا يحتاج إلى من يأخذه، ومدرسة تغلق أبوابها في وقت مختلف، وحضانة لا تتطابق ساعاتها مع ساعات المكتب، وطعاما لا يطبخ نفسه، وغسيل ملابس لا يملك فلسفة في الانتظار، وطبيبا لا يرسل موعده إلى مدير الموارد البشرية. الرقم امرأة تمشي بسرعة في محطة قطار، تحمل حقيبة عمل وحقيبة طفل، وتفكر في الاجتماع الذي فاتتها وفي الحمى التي ارتفعت في رأس صغير. إنها ليست مشكلة تنظيم وقت فقط. إنها مشكلة من يملك الوقت ومن يدفع ثمنه. فالوقت، في المجتمعات الحديثة، ليس شيئا محايدا. إنه عملة. من يملك منه أكثر يستطيع أن يقرأ، ويتعلم، ويسافر، ويتدرب، ويبني العلاقات، ويذهب إلى الاجتماع المسائي، ويبقى بعد انتهاء الدوام، ويقول: نعم، أستطيع. أما من يذهب إلى المنزل في السادسة لأن طفله ينتظره، فقد يبدو أقل التزاما، مع أنه في الحقيقة يؤدي عملا آخر لا يظهر في جدول الرواتب. وهنا تدخل «الحمولة الذهنية» إلى المسرح.
46 في المائة من النساء بين 25 و65 عاما يصرحن بأنهن يعانين حمولة ذهنية مرتفعة، مقابل 30 في المائة من الرجال، وفقا للمعطيات التي يستند إليها التقرير. الحمولة الذهنية ليست فقط أن تغسلي الصحون. إنها أن تتذكري أن الصابون انتهى. أن تتذكري أن الحفاضات ستنتهي. أن تعرفي أن الطفل يحتاج إلى لقاح الأسبوع المقبل. أن تفتحي الهاتف أثناء اجتماع مهم لأن المدرسة قد تتصل. أن تعرفي من سيأخذ الطفل غدا. أن تتذكري موعد طبيب الأسنان. أن تعرفي أن جدته مريضة وأن يوم الثلاثاء لا يناسبها. أن تحفظي، في مكان لا يصل إليه أحد، عشرات التفاصيل الصغيرة التي لو سقطت واحدة منها سقط معها جزء من اليوم. الرجل قد يغسل الطبق. لكن من يتذكر أن الطبق يجب أن يغسل أصلا؟ هنا تسكن إحدى أكثر الجزر ظلاما في أرخبيل عدم المساواة. فالعمل المنزلي يمكن قياسه، أما مسؤولية تذكر العمل فتظل شبحا. والشبح، كما يعرف كل بيت، لا يظهر في كشف الراتب. منذ أرسطو وحتى سيمون دو بوفوار، ظل سؤال المرأة مرتبطا، بصورة أو بأخرى، بالسؤال الأوسع: من يصنع الأدوار التي نظنها طبيعية؟ وإذا كانت الطبيعة تمنح المرأة القدرة على الحمل والولادة، فإنها لا تقول إن عليها وحدها أن تعرف موعد اجتماع أولياء الأمور، أو أن تقلل ساعات عملها، أو أن تختار وظيفة أقرب إلى المنزل. الطبيعة تلد. أما توزيع الأدوار، فعمل بشري. وهذه نقطة شديدة الأهمية. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع هو أن يخلط بين ما هو بيولوجي وما هو اجتماعي، ثم يحول العادة إلى قانون طبيعي، والقانون الطبيعي المزعوم إلى قدر.

كانت المجتمعات القديمة تقسم العمل وفق حاجات البقاء، ثم تغيرت الحياة، وتغيرت التكنولوجيا، وخرجت المرأة إلى التعليم والعمل والمجال العام، لكن بعض خرائط العالم القديم بقيت معلقة على جدران العالم الجديد. نحن نعيش في القرن الحادي والعشرين بعقلية أثاث تعود أحيانا إلى القرن التاسع عشر. المكتب صار رقميا. الاجتماع صار عبر شاشة. الملف صار سحابيا. لكن الطفل، لسوء حظ التكنولوجيا، ما زال يحتاج إلى إنسان. ولا يمكن تحميله على «السحابة». وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. لقد اخترع الإنسان الذكاء الاصطناعي، والسيارات ذاتية القيادة، والروبوتات، لكنه ما زال عاجزا عن اختراع نظام اجتماعي لا يجعل امرأة تدفع وحدها ثمن إنجاب طفل هو، في النهاية، مواطن جديد للمجتمع كله. فالطفل ليس مشروعا خاصا للأم. إنه المستقبل نفسه وهو يرتدي حفاضة. غدا سيدخل المدرسة، ثم الجامعة، ثم سوق العمل، ثم سيدفع الضرائب، وسيصنع الأشياء، وسيعالج المرضى، وسيقود القطارات، وربما يصبح رئيسا أو شاعرا أو مهندسا أو خبازا أو فيلسوفا أو مواطنا عاديا يدفع فاتورة الكهرباء في موعدها.
ومع ذلك، عند لحظة ولادته، يبدو أحيانا أن المجتمع يقول لأمه: هذا شأنك. أي منطق هذا؟ إنه يشبه أن تطلب الدولة من شجرة أن تنجب الغابة، ثم ترسل إليها فاتورة الماء. لهذا فإن اقتراح المجلس الأعلى للمساواة بأن يأخذ الوالد الثاني شهرا من إجازة الولادة بمفرده بعد عودة الأم إلى العمل ليس تفصيلا إداريا صغيرا. إنه محاولة لإعادة توزيع الزمن. وهذه ربما هي المعركة الحقيقية. ليست المعركة على الإجازة فقط. إنها على سؤال: من يحق له أن يتوقف؟ من يحق له أن يبطئ؟ من يستطيع أن يغادر المكتب في الخامسة دون أن يفسر نفسه؟ من يستطيع أن يرفض السفر لأن لديه طفلا مريضا؟ ومن يدفع مهنيا ثمن هذه القرارات؟ حين تصبح إجابة هذه الأسئلة مختلفة بين رجل وامرأة، فإن المساواة تكون قد بقيت خارج الباب، مهما كانت الشعارات جميلة في الداخل. يقترح التقرير أيضا ترتيبات مؤقتة عند العودة إلى العمل، مثل العمل عن بعد أو المرونة في ساعات العمل. وهنا ينبغي الحذر من مفارقة أخرى. فالمرونة يمكن أن تكون نعمة، لكنها يمكن أن تصبح فخا. إذا كانت المرونة متاحة للجميع، فهي حرية. أما إذا أصبحت المرأة وحدها هي التي تعمل من المنزل، وتبقى في الوقت نفسه مسؤولة عن الطفل والغسيل والطعام والاجتماع المدرسي، فإن «العمل عن بعد» قد يتحول إلى «عمل في كل مكان».
ينبغي ألا يصبح المنزل مكتبا والحضانة مكتبا آخر، ولا أن تتحول المرأة إلى شركة متعددة الأقسام تعمل بلا إغلاق. إن المساواة لا تعني أن تصبح المرأة قادرة على القيام بكل شيء. هذه أسطورة أخرى ينبغي دفنها. المساواة تعني أن لا يكون مطلوبا منها أن تقوم بكل شيء لأنها امرأة. هناك مثل شعبي يقول: يد وحده ما تفقش. وقد لا يكون في كتب الاقتصاد، لكنه ربما يعرف شيئا لم تعرفه بعض مجالس الإدارة: الأسرة أيضا مؤسسة، وإذا حمل شخص واحد كل أعبائها، فإن المؤسسة ستصاب بالاختناق. والمشكلة ليست في أن المرأة أم. المشكلة في أن الأمومة، حين تدخل عالم العمل، تدخل أحيانا كأنها ملف تأديبي. الأم لا تحتاج إلى شفقة. تحتاج إلى عدالة. لا تحتاج إلى أن يقال لها: «نحن نقدر ظروفك». تحتاج إلى نظام يجعل ظروفها جزءا طبيعيا من الحياة البشرية، لا استثناء يحتاج إلى التسامح. وهنا يظهر الفرق بين الإحسان والحق. الإحسان يقول: سأساعدك. الحق يقول: هذا لك أصلا. والدول التي تريد مشاركة أكبر للنساء في الاقتصاد لا يمكنها أن تطلب منهن أن يعملن أكثر، ثم تترك بنية الرعاية كما هي. لا يمكنك أن تفتح باب السوق وتغلق باب الحضانة. لا يمكنك أن تطلب من النساء أن يشاركن في سباق، ثم تربط في كاحلهن ساعة أسرية بينما تمنح الآخرين ساعة إضافية. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن «تكلفة جماعية» بالغ الأهمية. فالمسألة ليست قضية نساء فقط. حين تنسحب امرأة من وظيفة أو تخفض ساعات عملها، تخسر المؤسسة خبرة. وحين تتأخر ترقيتها، يخسر المجتمع جزءا من الكفاءة. وحين تضطر إلى الاختيار بين طفلها ومسارها المهني، لا تكون الأسرة وحدها أمام الخسارة؛ السوق نفسه يخسر. إن نصف المجتمع لا يمكن أن يظل يحمل على كتفيه حقيبة المنزل بينما يطلب منه في الوقت نفسه أن يركض بأقصى سرعة في الملعب الاقتصادي.
ثم هناك مفارقة أكثر عمقا. المجتمع يقول إنه يريد مزيدا من الأطفال بسبب الشيخوخة السكانية. ثم يعاقب، بشكل مباشر أو غير مباشر، من ينجب. كأن الدولة تقول للمواطنة: نحتاج إلى أطفال، لكن حاولي ألا يفسدوا مسارك المهني. إنها معادلة تشبه لغز أبي الهول، لكن أبي الهول هذه المرة يرتدي ربطة عنق ويحمل جدول بيانات. نريد الولادة. نريد العمل. نريد النمو الاقتصادي. نريد مساواة أكبر. نريد مشاركة نسائية كاملة. لكننا نريد كل ذلك من دون أن نعيد تنظيم الزمن والرعاية والعمل. وهذا غير ممكن. لا يمكن أن نطلب نتائج جديدة بأدوات قديمة. ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من التاريخ أن المجتمعات لا تتغير فقط عندما تصدر القوانين، بل عندما تتغير الأشياء التي يعتبرها الناس «طبيعية». كان من الطبيعي يوما أن تعمل المرأة في البيت وحدها. ثم صار من الطبيعي أن تدخل الجامعة. وكان من غير المعتاد أن تكون امرأة طبيبة أو قاضية أو عالمة أو وزيرة. ثم صار الأمر عاديا. المعركة الكبرى ليست دائما ضد قانون مكتوب. أحيانا تكون ضد جملة صغيرة تقال في مكتب: «بعد أن أصبحت أما، ربما لم تعد لديها الطموحات نفسها.» هذه الجملة، وحدها، تستطيع أن تهدم سنوات من الحديث عن المساواة. فالتحيز الحديث لا يأتي دائما مرتديا زي الشرير. أحيانا يأتي مهذبا جدا. يبتسم. يشرب القهوة. يقول إنه «يفكر في مصلحة الموظفة». ثم يمنح المشروع الكبير لشخص آخر. ومن هنا تكمن عبقرية التمييز الجديد: إنه لا يصرخ. إنه يهمس. والهمس، في التاريخ، كان أخطر أحيانا من الصراخ.
ولو كان الجاحظ حاضرا اليوم، لربما كتب رسالة طويلة عن «طبائع المديرين عند رؤية النساء ذوات الأطفال»، ولأحصى أنواع المديرين كما أحصى الحيوان والإنسان والطباع: مدير يخاف من الغياب، ومدير يخاف من المرأة الطموحة، ومدير يظن أن الرجل بلا مسؤوليات، ومدير لا يعرف أن الرجل نفسه أب، ومدير يضع المساواة في الصفحة الأولى من تقرير الشركة ثم يتركها في المصعد. وربما كان سيقول، بسخريته العبقرية، إن بعض البشر اخترعوا آلاف القوانين لتنظيم العمل ثم نسوا قانونا بسيطا: أن من يربي الإنسان الذي سيعمل غدا يستحق ألا يعاقب اليوم. أما الفيلسوف، لو جلس معنا، فربما سأل سؤالا أكثر إزعاجا: لماذا نقيس قيمة الإنسان بما يستطيع أن ينتجه خلال ساعات العمل، ولا نقيس ما يبنيه في الساعات التي لا يدفع له أحد ثمنها؟ إن تربية طفل ليست فراغا اقتصاديا. إنها إنتاج للمستقبل. لكن الاقتصاد الحديث بارع في رؤية ما له فاتورة، وأعمى أحيانا عن كل ما ليس له فاتورة. لذلك ربما تكون «العقوبة الأمومية» اسما آخر لفشلنا في حساب الأشياء التي لا تظهر في الحساب. الأم التي تقرأ قصة لطفلها قبل النوم لا تنتج سلعة. لكنها تنتج إنسانا. الأب الذي يبقى معه حين يمرض لا يزيد الناتج المحلي مباشرة. لكنه يحمي طفلا من الخوف. والرعاية ليست رقما في البورصة. ومع ذلك، بدونها ينهار كل شيء. لقد اعتاد العالم أن يسأل المرأة: كيف ستوفقين بين العمل والأسرة؟ السؤال نفسه يحتاج إلى انقلاب. لماذا لا نسأل: كيف سنعيد تنظيم العمل والأسرة بحيث لا تضطر إلى دفع هذا الثمن وحدها؟ هناك فرق هائل بين السؤالين. الأول يحمل المرأة المسؤولية. الثاني يحمل المجتمع مسؤوليته.
ربما ليست «العقوبة الأمومية» عقوبة على الأمومة بقدر ما هي عقوبة على نظام لم يتعلم بعد كيف يتعامل مع الحياة حين تتجاوز حدود المكتب. فالطفل لا يلتزم بساعات العمل. ولا يعرف معنى «اجتماع عاجل». ولا يفهم أن مديره ينتظر تقريرا. ولا يملك بريدا إلكترونيا. إنه يأتي في الثالثة صباحا ويبكي. ومن الغريب أن الحضارة كلها لم تستطع حتى الآن أن تكتب في قانون العمل بندا بسيطا يقول: البشر بشر. لهذا فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط معركة النساء. ستكون معركة الرجال أيضا. فالوالد الثاني الذي يأخذ شهرا كاملا منفردا مع طفله لا «يساعد» الأم. إنه يمارس أبوة كاملة. والمؤسسة التي تسمح بذلك لا تمنح معروفا. إنها تستثمر في توزيع أكثر عقلانية للرعاية. والرجل الذي يخرج من المكتب ليأخذ طفله من المدرسة لا يفقد رجولته. ربما يستعيد منها شيئا كان قد أضاعه في الطريق. في نهاية المطاف، لا يولد الطفل وحده. تولد معه عائلة جديدة، وزمن جديد، واحتياجات جديدة، ومسؤوليات جديدة، وربما نسخة جديدة من الأب والأم. السؤال الحقيقي هو: هل يستطيع المجتمع أن يولد من جديد أيضا؟ أم أنه سيظل يطلب من المرأة أن تعود إلى العمل كما كانت، وكأنها لم تحمل تسعة أشهر، ولم تلد، ولم تسهر، ولم يتغير جسدها، ولم تتغير أولوياتها، ولم يدخل إلى البيت كائن صغير يقلب الليل والنهار رأسا على عقب؟
العدالة ليست أن نقول للمرأة: يمكنك أن تكوني أما كما كنت تماما. العدالة أن نعترف بأنها أصبحت شيئا جديدا، من دون أن نجعل هذا الجديد عقوبة. إن الطفل لا ينبغي أن يكون الخصم الذي يقتطع من راتب أمه. ينبغي أن يكون السؤال الذي يجعلنا نعيد النظر في معنى العمل نفسه. وربما، بعد كل هذه القرون، آن لنا أن نكتشف الحقيقة التي يعرفها كل طفل قبل أن يعرف الكلام: أن الحياة ليست خطا مستقيما يصعد دائما. إنها ذهاب وإياب. تقدم وتراجع. عمل ورعاية. قوة وحاجة. مكتب وبيت. وأن الإنسان لا يصبح أقل قيمة حين يعتني بإنسان آخر. بل ربما، في تلك اللحظة تحديدا، يصبح أكثر إنسانية. وفي آخر الأمر، يبقى الطفل نائما في سريره، لا يعرف شيئا عن «سقف الأم» ولا عن «الحمولة الذهنية» ولا عن تقرير المجلس الأعلى للمساواة ولا عن سوق العمل. أما أمه، فربما تجلس إلى جواره لحظة، تنظر إلى وجهه الصغير، ثم تتذكر أن لديها غدا اجتماعا في التاسعة. تنهض. تغلق الباب. وتعود إلى العالم. لكن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مستيقظا، حتى بعد أن ينام الجميع، هو هذا: لماذا، كلما ولد طفل، كان على أمه أن تثبت من جديد أنها ما زالت جديرة بمستقبلها؟ هذا هو اللغز. وهذه هي القضية. وربما تكون الإجابة الأكثر عقلانية، والأكثر إنسانية، والأقل احتياجا إلى الفلسفة كلها: لأن الطفل ولد، لا ينبغي أن تموت حياة أمه المهنية.
