بقلم الروائية يسرا الخطيب-فلسطين-18 /9/2024
على مدار إحدى عشرة شهرا وأنا أحاول النجاة من فخ الكتابة، والسباحة داخل أعماقي المظلمة علّني أتعثر بحقيقة ما تفسر لي ما لم أفهمه أو يقنعني بجدوى ما أعيشه الآن. قالوا ويتقولون: بأن الكتابة عن الحرب هي إحدى سبل النجاة ولكن أراني كلما أمسكت بقلمي أو لامست أصابعي لوحة المفاتيح أدخل في متاهات واشتباكات مع روحي المطفأة؛ لتغشاني أهوال وأحمال لم ترها عين ولا سمعت بها أذن من قبل. لست أدري على أيّ من العتبات أقف، أصاب بالعجز والخرس عندما تصلني رسالة من أحدهم أقلقه حالنا: كيفكم، طمنونا عنكم؟؟
ربما هو السؤال المنفلت للحظة عابرة من صديق خطرت بباله مصادفة وهو يتابع أخبارنا العاجلة، أو لربما هو سؤال العاجز المبتور الذي لا يملك من أمره إلا أضعف الإيمان وود مجاملتي والطبطبة الخجولة على فجيعتنا وموتنا. أعترف بحقيقة لا يختلف عليها اثنان، إن انتقاء إجابة بسيطة ومقنعة بحجم السؤال بمثابة معجزة كما هي معجزة الخروج من الحرب أو الفرار من موت يتبعنا كظلنا، ويغتالنا بطرائق وأوجه لا تعد ولا تحصى. الموت هنا قاس ومؤلم جدا وملح، لا يرأف ببشر ولا شجر ولا حجر، عنيد لا يضاهي أي موت آخر يحدث خارج غزة. يباغتنا في كل مرة، حين ظننا أننا نعرف كل ضرباته وأوقاته وأمكنته التي يخبئها لنا، ونحتاط منه بكل سبل السلامة والحيل الممكنة؛ علنا ننجو فلا نجاة ولا حياة؛ لأن الموت في روايتنا هو المنتصر الوحيد. وحدنا يتساقط علينا الموت من كل حدب وصوب، يصطادنا جوا وبرا وبحرا، يمزقنا أشلاء في كل منعطف وشارع يهاجمنا في أبراجنا العالية ولم يرأف بنا حين انزوينا بضعفنا وخسارتنا في خيمة نائية، فلا مخاضنا كان رحيما ولا نخلنا المصلوب وهبنا نبوءة الخلاص. هذه الصواريخ الوقحة، الطائشة، العابثة، الرجيمة، عمياء البصر والبصيرة تقتلنا بلا هدف محدد لتحولنا إلى رماد وكأنّنا لم نكن. بلا جناحين أحوم تائهة خارج السرب تارة، وتارة أخرى أضيع بضجيج لا يعرف السكون، ولا يخضع للمساومة.
نزحت من بيتي مرة واحدة إلى أقصى الجنوب، ونجوت بفضل الله، ولكنني أعيش ألم النزوح على مدار الساعة مع كل خطوة هاربة من الموت وأرتجف مع كل صراخ موجوع ونحيب مفجوع من هول البحث عن أي سبيل للفرار من محرقة أو مجزرة. لم أقف في طابور الماء ولكنني أعاني من عطش دائم وجفاف في الحلق أستجدي قطرة نقية وحقيقة صادقة تنتشلني من هذا اليباس والتصحر الذي حول أرواحنا إلى أخشاب مسندة بلا حول ولا قوة تعصفنا الصواريخ والقذائف وتلاحقنا الطائرات المسيرة؛ لتبعثرنا في كل الاتجاهات جثثا بلا أطراف وأشلاء معلقة كالأعلام على أسلاك الكهرباء والهواتف. عام مضى تقريبا وأنا أبحث عن شارع مخالف ومختلف لقدمي المتعبين من الركض والبحث عن أسباب ما حدث وما سيحدث لاحقا. شارع لا يصطادني فيه صاروخ ولا قذيفة ليحفرا على اتساعه قبرًا لأشلائي. شارع بلا خيام للنازحين، ولا طوابير مياه للعطشى، ولا تكيات للجياع، ولا عزيز نفس أهانه عدو محتل غاشم فسلبه أمنه وسلامته، وسرق لصوص الحرب منه قوته وراتبه وبيته وأصبح وحيدا يلتحف السماء متدثرا بخيبته في العراء. أبحث عن شارع خال من المقابر وبيوت العزاء، ونواح الثكالى وبكاء اليتامى وصمت المكلومين وصافرات إسعافات تنبئنا بمجازر جديدة.
شارع لم تنتهك أسفلته دبابة، ولا قصفت بيوته مدفعية ولا صاروخ ولا حامت حول شبابيكه طائرات مسيرة تنبح ككلاب جائعة وتلقي برصاصاتها الطائشة على رؤوس العباد بلا هدف او سبب وتسلب من الصغار والكبار نومهم الآمن. شارع نظيف، بلا جريح ولا معاق ولا متسول، أصادف فيه وجوها هربت من الموت، لا حفاة ولا عراة وخال أيضا من ضربات عكاكيز الجرحى ومبتوري الأرجل تكسر صمت الأسفلت. أريد شوارعا تضج وتعج بأطفال صغار يتدافعون بكامل أطرافهم إلى مدارسهم كأوّل يوم في عامهم الأول يعلو بكاؤهم ويمسكون بيد أمهاتهم من شدة الخوف ويرتجفون خوفا من فطام جديد شارع تفوح من أفرانه رائحة الخبز والكعك ومناقيش الزعتر ومن أكشاكه رائحة الفول والفلافل ومن بسطاته رائحة المخللات والفواكه وتعلو فيه أصوات الباعة المتجولين وشتائم المقهورين وسباب المشاكسين والخارجين عن المألوف أريد شارعا يضج بالحياة المرهقة الصاخبة والمتعبة لا شارع يلفني بالموت البارد. شارع نبتت على استحياء على بقايا شرفاته ريحانة صغيرة نجت من الموت رغم أنف الركام والرماد، تلامس انفي وتعيد لي حنيني لرائحة الجدات الحميمة، وروائح طبخ الأمهات اللاتي ابتلعتهن الحرب. لكن هيهات.. هيهات كل الشوارع هنا تصرخ بك قبل أن تطأها بقدميك “اخلع نعليك”؛ كي لا تركل الجماجم المتناثرة على الطريق ولا تدوس على طرف هنا وجثثٍ هناك. اخلعها كرمة لترابها المخضب بدم الشهداء ولأرصفتها وركامها ورمادها التي تحولت جميعها إلى مقابر. أريد شارعا واحدا فقط أو ركنا صغيرا ومنزويا في مكان ما لم تمر به الحرب لثانية واحدة فلربما استرجع رائحة غزتي التي فقدت.
