الحجاب الذي أخاف الجمهورية

حين تعجز السياسة عن حل أزماتها، تبدأ في تفتيش رؤوس النساء

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ثمة لحظة غريبة في حياة الأمم، لحظة تشبه أن ينظر رجل إلى بيته وهو يحترق، ثم يركض إلى المطبخ ليبحث عن منديل. يبدو أن فرنسا اقتربت من هذه اللحظة. بل ربما دخلتها بالفعل. بلد ديكارت، وفولتير، ومونتسكيو، وروسو، وبلد الثورة التي جعلت الإنسان مواطنا لا رعية، يجد نفسه من جديد واقفا أمام رأس امرأة، يحدق في قطعة قماش، ويسألها سؤالا يكاد يكون من أسئلة العصور الوسطى: ماذا تخفين تحت الحجاب؟ يا فرنسا… أتخافين من شعر امرأة؟ أم أنك تخافين من شيء آخر لا تريدين تسميته؟ لأن الحجاب، في هذه الحكاية، يبدو كأنه ليس هو الموضوع. إنّه الستارة. ووراء الستارة مسرح آخر. مسرح الاقتصاد الذي يشيخ. مسرح الدولة التي تبحث عن توازنات جديدة. مسرح التقاعد والديون الذي يثقل على المستقبل. مسرح الشباب الذي يحزم حقائبه ويعبر الأطلسي بحثا عن مختبر، أو شركة، أو راتب، أو فرصة. مسرح السكن. مسرح المدرسة. مسرح المستشفيات. مسرح فرنسا التي تريد أن تعرف كيف ستبقى قوة في عالم يتحرك بسرعة .

لكن السياسة، في مواسم الانتخابات، لا تحب المرايا الكبيرة. المرايا الكبيرة مخيفة. لأنّها تظهر الوجه كاملا. لذلك تفضل مرآة صغيرة. تضعها أمام امرأة محجبة وتقول: انظروا… المشكلة هنا. وهكذا يتحول الرأس إلى حدود. والحجاب إلى ملف أمني. والمرأة إلى استفتاء. والدين إلى ورقة انتخابية. والمواطن إلى رقم في جدول استطلاعات الرأي. هنا تبدأ الكارثة الفلسفية. لأن الجمهورية التي تقول إنّها تريد تحرير المرأة قد تقع في أكثر المفارقات عبثا: تقول للمرأة: أنت حرة. ثم تضيف: ولكنّنا سنقرر لك كيف تبدين حرة. يا لها من حرية غريبة. حرية ترتدي بدلة رسمية وتحمل ختم الدولة. حرية لا تترك المرأة وحدها مع اختيارها. حرية تريد أن تحررها حتى من حقها في أن تختار شكل حريتها. ومن هنا يصبح السؤال أكبر من الحجاب: من يملك جسد المرأة؟ هي؟ أم المجتمع؟ أم الدولة؟ أم الحزب؟ أم رجل الدّين؟ أم الموضة؟ أم السوق؟ أم الخوف؟

منذ قرون طويلة، والمرأة توضع في منتصف هذا الحبل المشدود، وكل طرف يدعي أنّه يريد أن ينقذها. لكن كثيرا من الذين يقولون “نحن ننقذ المرأة” لا يسألونها أبدا: ماذا تريدين؟ وهذه هي الجملة التي ينبغي أن تهز قاعات البرلمان: ماذا تريد المرأة؟ فإذا اختارت امرأة مسلمة أن ترتدي الحجاب، فلا ينبغي أن تصبح مواطنَتُها أقل من مواطنة امرأة أخرى. وإذا اختارت أخرى ألا ترتديه، فلا ينبغي أن تصبح أقل تديُّنا أو أقل كرامة في نظر المجتمع. الحرية ليست أن نختار للناس. الحرية أن نحمي قدرتهم على الاختيار. وهنا يصبح الحجاب امتحانا للجمهورية، لا امتحانا للمسلمة. لأن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع الدولة أن تعاقب امرأة محجبة؟ السؤال: هل تحتاج الدولة القوية إلى معاقبة امرأة لكي تثبت قوتها؟

الدولة الواثقة من نفسها لا تخاف من منديل. والحضارة الواثقة من تاريخها لا ترى في قطعة قماش منافسا. أمّا حين يصبح القماش خطرا، فاعلم أنّ الخوف لم يعد في القماش. الخوف في الرأس الذي ينظر إليه. لقد كان ابن عربي يعرف، في دهاليز الروح، أنّ الحقيقة لا تسكن صورة واحدة. وكان ابن رشد يعرف أنّ العقل لا يخاف السؤال. وكان ابن خلدون يعرف أنّ العمران لا ينهار دفعة واحدة، بل يبدأ حين تنشغل السلطة بالقشور وتفقد القدرة على رؤية التحولات العميقة. ولو جلس هؤلاء الثلاثة اليوم في مقهى صغير على ضفّة السّين، ربّما اختلفوا في أشياء كثيرة. لكنّني أتخيلهم متّفقين على شيء واحد: لا يمكن بناء دولة عظيمة بمحاكمة الملابس. أفلاطون نفسه، لو خرج من كهفه اليوم، لربّما ابتسم. سيقول: لقد ظننا أنّكم خرجتم من عالم الظلال. ثم عدتم لتصنعوا ظلا جديدا. ظلّ امرأة محجبة.

والمفارقة أن المرأة نفسها ليست المشكلة. هي ربما أكثر الناس براءة في هذه المعركة. إنّها تمشي إلى عملها. تشتري الخبز. تصطحب طفلها إلى المدرسة. تدخل المترو. تدفع الضرائب. تنتظر الطبيب. تدفع الإيجار. تعيش. وهذا هو أكثر ما يربك الخطاب السياسي: أنّ الإنسان العادي لا يشبه الشعار. المسلمة الفرنسية ليست “ملفّا إسلاميا”. إنّها امرأة لها اسم. لها مهنة. لها عائلة. لها ذاكرة. لها فرنسا. وقد تكون علاقتها بهذا البلد أعمق من علاقة كثير من الذين يرفعون شعارات الوطنية في المواسم الانتخابية. لأنّ الوطن ليس مكبّر صوت. الوطن هو المكان الذي يكبر فيه أطفالنا. المكان الذي نحفظ فيه عنوان بيتونا. المكان الذي نعرف فيه طريق المدرسة. المكان الذي نتّصل منه بالإسعاف. المكان الذي ندفن فيه موتانا. المكان الذي تتشاجر فيه مع البلدية على فاتورة الماء.

الوطن هو التفاصيل الصغيرة. وهؤلاء المسلمون الذين يعيشون في فرنسا ليسوا أشباحا عبرت الحدود ثم اختفت. إنّهم جزء من النسيج. والمجتمع الفرنسي الحديث لا يمكن اختزاله في لون واحد ولا في عقيدة واحدة ولا في أصل واحد. هناك فرنسيون مسلمون، فرنسيون مسيحيون، فرنسيون يهود، فرنسيون بلا دين، فرنسيون يبحثون عن معنى، وفرنسيون لا يريدون أن يبحثوا عن شيء. هذه هي فرنسا. لا فرنسا التي توجد في ملصق انتخابي. بل فرنسا التي توجد في الحافلة. في المدرسة. في الجامعة. في المستشفى. في المصنع. في المختبر. في المقهى. في ملعب كرة القدم. في شقة صغيرة في ضاحية لا يعرف اسمها كثير من السياسيين إلا عندما يحتاجون إلى أصواتها. وهنا أتذكر أمي خيرة. لم تكن تعرف شيئا عن “الإسلاموفوبيا”. ولا عن “الهوية الوطنية”. ولا عن “الانتخابوية”. ولا عن كل هذه الكلمات التي تصنعها السياسة ثم تتعب في شرحها. كانت تعرف شيئا أبسط. كانت تقول: “يا بنتي، الإنسان ماشي لباس.” هذه الجملة، لو كتبت اليوم على باب البرلمان، لكانت أكثر حكمة من كثير من الخطب. الإنسان ليس لباسه. ولا شعره. ولا لحيته. ولا اسمه. ولا أصله. ولا الحجاب الذي فوق رأسه. الإنسان مجموع ما يفعل، وما يعطي، وما يحمي، وما يبني، وما يحب. أمي خيرة كانت تعرف أن القلب لا يلبس بطاقة هوية. وكانت تعرف أيضا أن من يكثر من تفتيش الناس، ينسى أن يفتش نفسه.

وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يذهب إلى الانتخابات المقبلة: ماذا ستفعلون بفرنسا؟ لا: ماذا ستفعلون بحجاب النساء؟ كيف ستعيدون الصناعة؟ كيف ستحتفظون بالكفاءات؟ كيف ستجعلون الشباب يختارون باريس بدلا من نيويورك أو بوسطن أو سان فرانسيسكو؟ كيف ستعيدون الثقة إلى المدرسة؟ كيف ستمنحون المستشفى القدرة على التنفس؟ كيف ستدافعون عن القدرة الشرائية؟ كيف ستتعاملون مع مجتمع يتقدم في العمر؟ كيف ستدفع الدولة معاشات المستقبل؟ كيف ستجعلون الاقتصاد الفرنسي قادرا على المنافسة في عالم لم يعد ينتظر أحدا؟ هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تحفر في الأرض. لا أن نحفر في حجاب امرأة. لأن البلد الذي لا يجد أجوبة عن مستقبله قد يخترع عدوا من الماضي. وهنا تصبح الانتخابات مثل ساحر عجوز. يخرج من قبعته أرنبا. ثم يقول للجمهور: انظروا! لقد وجدنا المشكلة. فيصفق الجمهور. بينما يختفي الاقتصاد في الخلف. وتختفي المدرسة. ويختفي الشباب. وتختفي الأسئلة الحقيقية. ثم يأتي الصباح. فيكتشف المواطن أن الأرنب كان مجرد دخان. والبلد ما زال يبحث عن الباب.

إن تحويل الإسلام إلى شماعة انتخابية ليس حلا. بل هو استثمار في الخوف. والخوف سلعة رخيصة، لكنّها شديدة الربحية في صناديق الاقتراع. غير أنّ لها ثمنا باهظا بعد الانتخابات. لأنك حين تجعل جارك يشك فيك، وتعلم أبناءك أن يقرأوا بعضهم من خلال مظهرهم، وتضع الدين في قفص الهوية السياسية، فإنك لا تحمي الجمهورية. أنت تخرمها من الداخل. اليوم حجاب. غدا شيء آخر. وبعد غد ربما يصبح السؤال: من هو الفرنسي الحقيقي؟ وهذه أخطر الأسئلة. لأنها أسئلة لا تنتهي. كلما طردت منها جماعة، بقيت جماعة أخرى. حتى لا يبقى في نهاية الطريق سوى مواطن واحد يقف وحيدا أمام مرآته، ويسأل: هل أنا فرنسي بما يكفي؟ فرنسا لا تحتاج إلى هذه المرآة. فرنسا تحتاج إلى نافذة. نافذة واسعة تطل على المستقبل. نحن، أبناء الشرق الذين عبروا إلى الغرب، لسنا غرباء عن فرنسا. ولا نريد أن نكون. نحن نريد فقط أن نعيش في وطن لا يطلب من أبنائنا أن يختاروا بين ذاكرتين. في بيت واحد يمكن أن تكون هناك أم تتحدث العربية، وأب يحمل الفرنسية في قلبه، وطفل يقرأ موليير، وجدته تحكي له عن بغداد أو فاس أو الجزائر أو دمشق أو تونس أو الرباط. هذا ليس مرضا. هذه ليست أزمة هوية. هذه هي الحياة حين تعبر القارات. الحضارة نفسها ولدت من الاختلاط. الفلسفة اليونانية لم تبق يونانية. العلم لم يبق عربيا. الأدب لم يبق شرقيا.

الإنسان أعظم من الحدود التي يرسمها السياسي على الخريطة. ولهذا، إذا كانت فرنسا تريد أن تكون فرنسا، فعليها أن تثق في عظمتها. الأمة العظيمة لا ترتجف أمام حجاب. الأمة العظيمة لا تخاف من مسلم يصلي. ولا من يهودي يصلّي. ولا من مسيحي يصلّي. ولا من إنسان لا يصلي. الدولة لا تدخل إلى الروح. الدولة تحمي الإنسان. وهذا هو الفارق بين الجمهورية والوصاية. إن أمي خيرة كانت ستنظر إلى كل هذه المعارك من بعيد، ثم تقول: “خلّيوْ الناس يْعيشو.” ربما تبدو الجملة بسيطة. لكن تحت بساطتها فلسفة كاملة. اتركوا الناس يعيشون. دعوا المرأة تختار. دعوا المواطن يعمل. دعوا الشباب يحلم. دعوا المدرسة تُعلّم. دعوا المستشفى يعالج. دعوا الاقتصاد يتنفس. دعوا فرنسا تنظر إلى الغد. لأنّ فرنسا لا ينقصها خصم جديد. ينقصها مستقبل. ولا ينقص الجمهورية قماش تمزقه. ينقصها خيط تصل به ما انقطع بين المواطن والدولة. أما المرأة المحجبة التي تمشي في الشارع، فلا تجعلوا منها وحشا أسطوريا. إنّها ليست غودزيلا الجمهورية. إنّها امرأة. تمشي. وربما لا تعرف أنّها، في هذه اللحظة، تحمل فوق رأسها أكبر اختبار فلسفي للجمهورية الفرنسية: هل تستطيع دولة حديثة أن تحترم إنسانا لا يشبهها؟

إذا كان الجواب نعم، فهذه جمهورية. وإذا كان الجواب لا، فالمشكلة ليست في الحجاب. المشكلة في الجمهورية نفسها. وهنا فقط، ينكشف السر. ذلك الذي كان ابن عربي يطارد ظله في طرقات المعنى. إنّ الإنسان أكبر من الصورة التي يضعها الآخرون له. وأن الحقيقة لا تسكن في قطعة قماش. وأنّ الوطن لا يسكن في الشعر المكشوف ولا في الشعر المغطى. الوطن يسكن في العدالة. وفي الكرامة. وفي الثقة. وفي القدرة على أن يمشي إنسان في شارع بلده دون أن يشعر أن أحدا يريد أن ينتزع منه جزءا من روحه. فيا فرنسا…اتركي الحجاب حيث هو. فوق رأس من اختارته. واذهبي إلى الأسئلة الكبرى. فربما كان المستقبل، الذي تبحثين عنه منذ زمن، لا يختبئ تحت حجاب امرأة. ربما كان يختبئ خلفه خطاب سياسي لم تجرؤي بعد على قوله: نحن بحاجة إلى أن نثق ببعضنا من جديد.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “الحجاب الذي أخاف الجمهورية

  1. أو لما تتبنى السياسة أسلوب الدعاية، من أجل تكبير صور ما يدخل في إطار الحريات الفردية، والحق في الاختلاف. ويزدام الأمر مفارقة لما يكون ذلك في عاصمة الأنوار التي أمست مظلمة!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *