هرب من الشرطة… فطار فوق صواري سان مالو

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في بعض الليالي، لا يخطئ الإنسان في الطريق فقط، بل يخطئ في اختيار الكائن الذي يريد أن يكونه. كان يمكن للرجل، في تلك الليلة من سان مالو، أن يكون لصا عاديا، أو متسللا مذعورا، أو رجلا نادمًا اكتشف متأخرا أن البحر لا يحب الغرباء في سفنه. لكنه، لسبب لا يعرفه إلا عقله الذي كان في إجازة قصيرة من المنطق، قرر أن يصبح بيتر بان. وكانت النتيجة أن الشرطة الفرنسية وجدت نفسها، في قلب الليل، أمام رجل لا يريد النزول من سفينة، بل يريد الصعود إلى السماء. القصة بدأت في ليلة السبت 5 سبتمبر إلى الأحد 6 سبتمبر 2026، حين تسلل رجل إلى «L’Étoile du Roy»، السفينة الخشبية الشهيرة الراسية في ميناء سان مالو، في إيل وفيلان. ليست السفينة مجرد قارب كبير يمكن الدخول إليه ثم الخروج منه؛ إنها سفينة تاريخية رمزية، ذات صواري وأشرعة وذاكرة بحرية تكفي لأن تجعل أي شخص يقف على ظهرها يشعر للحظات بأنه خرج من القرن الحادي والعشرين ودخل رواية بحرية قديمة. لكن الرجل لم يدخلها ليستمتع بالتاريخ. دخلها لسبب لم يتضح في الرواية الصحفية التي نقلت الواقعة، ثم وجد نفسه في مواجهة التاريخ والشرطة معا. وصلت الشرطة بعد إبلاغها بالاقتحام الليلي، وطلبت منه أن يخرج من السفينة.

هنا كان يمكن للقصة أن تنتهي بطريقة شديدة الملل. ينزل الرجل. تكتب الشرطة تقريرها. ينام أهل سان مالو. وتستيقظ السفينة في الصباح لتكتشف أن الليل مرّ دون أن يضيف إليها أسطورة جديدة. لكن الرجل، ربما لأنه لم يقرأ جيدا تعليمات الخروج، قرر أن يفعل العكس تمامًا. صعد إلى الصاري. ثم انتقل من صاري إلى آخر، محاولا الإفلات من الشرطة، وكأنه لا يهرب من رجال أمن على رصيف ميناء، بل من قراصنة يطاردونه فوق سفينة في بحر من الضباب. وهنا أصبحت سان مالو، للحظات، مسرحا لمسرحية عبثية كتبها شخص ما في حالة حمى. شرطة على الأرض. رجل في الأعالي. سفينة خشبية في المنتصف. والليل يتفرج. ربما كان الرجل يعتقد أن الشرطة، باعتبارها مؤسسة أرضية، لا تملك اختصاصا في الجو. وهذا، من الناحية الفلسفية، افتراض يستحق بعض الاحترام. فمنذ أرسطو وحتى الطيران الحديث، ظلت السلطات تحب الأشياء التي يمكن الإمساك بها. أما الرجل الذي ينتقل بين الصواري، فهو مشكلة بيروقراطية رهيبة. أين يُسجَّل؟ هل هو فوق السفينة أم خارجها؟ هل هو متسلل أم بحّار؟ هل هو هارب أم متسلق؟ وهل يمكن للشرطة أن تقول له: «انزل» بينما هو، من وجهة نظره، ربما كان يقول للشرطة: «اصعدوا»؟

إنها واحدة من تلك اللحظات التي تتقاعد فيها اللغة قليلا أمام الواقع. الرجل لم يعد رجلا فقط. أصبح نقطة سوداء بين السماء والخشب. أصبح ظلا يتنقل فوق حبال السفينة. أصبح، ولو لدقائق، مخلوقا لا ينتمي تماما إلى الأرض. وهنا استحق لقب «بيتر بان» الذي التصق بالحادثة. لكن ثمة فارقا جوهريا بين الإثنين. بيتر بان كان لا يريد أن يكبر. أما هذا الرجل، فيبدو أنه لم يكن يريد أن ينزل. والمفارقة أن الاثنين اختارا السماء هربا من مسؤوليات الأرض. في حكاية جيمس ماثيو باري، كان بيتر بان يهرب من عالم الكبار. أما بطل سان مالو الليلي فكان يهرب من الشرطة. الأول أراد الخلود في الطفولة. والثاني، على الأقل في تلك اللحظة، أراد تمديد عمر المطاردة. كلاهما وجد أن الأرض مكان ثقيل. لكن بيتر بان كان يملك غبار الجنيات. أما رجل سان مالو فكان يملك صواري خشبية وحبال وربما قدرا غير قليل من الحظ. وهنا تظهر الكوميديا السوداء للحكاية. الإنسان حين يضيق به الطريق، يبحث عن مخرج. بعض الناس يخرجون من الباب. بعضهم من النافذة. بعضهم يختبئ في الخزانة. أما صاحبنا فقد وجد أن أفضل مخرج هو الأعلى.

وهذه ليست فكرة جديدة في تاريخ البشرية. الإنسان بنى الأبراج حين أراد الاقتراب من السماء. بنى المآذن والكنائس والكاتدرائيات. تسلق الجبال. صعد إلى الفضاء. وفي كل مرة كان يقول بطريقة أو بأخرى: الأرض لا تكفيني. لكن الفارق بين المتصوف والهارب أن الأول يصعد بحثا عن الله، والثاني يصعد بحثا عن مخرج. وهنا، لعل الرجل لم يكن يبحث عن الحرية بقدر ما كان يبحث عن مكان لا تستطيع فيه الشرطة أن تضع يدها على كتفه. إنّها الحرية في نسختها الأكثر بدائية: أن تكون بعيدا عن اليد التي تريد الإمساك بك. لكن المشكلة في هذه الفلسفة أن الصاري ليس وطنا. يمكننا الصعود إليه، لكن لا يمكننا العيش عليه. يمكننا الهروب من الأرض، لكننا لا نستطيع إلغاء الجاذبية. وهذه، ربما، أولى دروس الحادثة. الإنسان يستطيع أن يؤجل المشكلة بالارتفاع. لكنه لا يستطيع حلّها.

الجاذبية، تلك الشرطية القديمة التي لا ترتدي زيا رسميا، تبقى في مكانها. وفي سان مالو، كانت تنتظر. ربما لهذا السبب تحمل القصة شيئا من حكايات المهرجين القدماء: رجل يهرب من الشرطة فوق سفينة تاريخية، والشرطة تنتظره في الأسفل، وهو يتنقل بين الصواري كما لو أنه اكتشف فجأة أن مهنة حياته الحقيقية هي السير على الحبال. لو كان هناك موسيقي في الميناء، لربما عزف موسيقى السيرك. ولو كانت هناك ببغاء على السفينة، لربما نظرت إلى الرجل وقالت في سرها: «أخيرا، منافس». لكن وراء الضحكة، هناك سؤال أكثر جدية. لماذا يختار إنسان، بعد اقتحام سفينة في الليل، أن يصعّد موقفا بسيطا إلى مغامرة خطرة؟ لماذا لا ينزل؟ لماذا يفضل الصعود؟ ربما لأن الهروب، حين يبدأ، يخلق منطقه الخاص. في اللحظة الأولى يقول العقل: اركض. ثم يقول: اختبئ. ثم، إذا ضاق المكان: اصعد. ثم، إذا أصبح الصعود نفسه خطرا: واصل الصعود لأنك صرت قد قطعت نصف الطريق. وهكذا يجد الإنسان نفسه أحيانا في المكان الذي لم يكن يريد الوصول إليه أصلا. إنها مأساة صغيرة في ثوب كوميدي. كم من قرارات البشر تبدأ بخطوة صغيرة وتنتهي فوق صارية؟ كم من مشكلة كان يمكن أن تنتهي باعتذار، لكنها انتهت بسور؟ كم من خصومة كان يمكن أن تنتهي بكلمة، لكنّها انتهت بمحكمة؟ وكم من رجل قال: «سأهرب دقيقة واحدة»، فإذا به بعد قليل يفاوض الجاذبية؟

الأمثال الشعبية تعرف هذه الحقيقة أكثر من الفلاسفة. «من حفر حفرة لأخيه وقع فيها». و«الهروب من الدائن إلى الدائن». و«إذا ضاق عليك المكان، وسّع عقلك». لكن بطلنا اختار حلا آخر: إذا ضاق عليك المكان، اصعد فوق الصاري. إنها حكمة شعبية جديدة يمكن لسان مالو أن تسجلها في أرشيفها. ومع ذلك، يجب ألا نغفل الجانب الخطير. الصواري ليست أشجارا في حديقة عامة. السفينة ليست ملعب تسلق. والانتقال بين الصواري على ارتفاع كبير ليس لعبة بيتر بان. أي خطأ بسيط يمكن أن يحول الحكاية من نكتة بحرية إلى مأساة. وهنا يتغير معنى المشهد كله. الضحك الذي نشعر به يأتي لأن النهاية لم تكن مأساوية في الرواية المتاحة لنا. لكننا نضحك، في الحقيقة، على حافة هاوية. وهذا أحد أسرار الكوميديا البشرية: إنها كثيرا ما تبدأ حيث تنتهي الخطر. لو سقط الرجل، لما كتبنا عن «بيتر بان سان مالو». لكتبنا عن مأساة. ولما كان هناك ما يضحك. لهذا ينبغي أن نقرأ الحادثة بقدر من المرح، لكن أيضا بقدر من الاحترام لخطورتها. ثم هناك السفينة نفسها. «L’Étoile du Roy» ليست مجرد خشب ومسامير. إنها قطعة من الخيال البحري الفرنسي، سفينة تعليمية مرتبطة بصورة القرصنة والملاحة القديمة، ومشهدها وحده كفيل بأن يجعل الليل يبدو وكأنه خرج من كتاب مغامرات.

أن يختار رجل هذه السفينة تحديدا ليهرب فوق صواريها يجعل القصة أكثر غرابة. فهو لم يقتحم مبنى إداريا. لم يصعد إلى سطح موقف سيارات. لم يختبئ في مستودع. اختار سفينة. وكأنه، من دون قصد، فهم شيئا يعرفه كل البحارة: السفينة ليست مكانا ثابتا. السفينة وعد بالحركة. حتى وهي مربوطة إلى الرصيف، تظل تحمل في خشبها ذاكرة الرحيل. وهذا ربما يفسر سحرها الغريب. فالإنسان الذي يدخل سفينة ليلا يشعر، ولو للحظة، أن العالم خلفه. لكن المشكلة أن السفينة الراسية في الميناء لا تأخذك إلى أي مكان. وهذا هو الجانب العبثي في الحكاية. الرجل أراد الهرب. اختار وسيلة مرتبطة تاريخيا بالرحيل. لكن السفينة كانت مربوطة. أي أنه اختار رمز الحرية ليجد نفسه في المكان الأكثر ثباتا. إنها استعارة تكاد تكون جاهزة أكثر مما ينبغي. كم من إنسان يركب سفينة أحلامه ثم يكتشف أنها مربوطة بحبل غير مرئي؟ كم من شخص يظن أنه يهرب من شيء، ثم يكتشف أنه حمله معه؟ كم من مرة غيّر الإنسان المكان ولم يغيّر نفسه؟ الرجل صعد من الأرض إلى الصاري. لكنه ظل هاربا.

وإذا كانت الفلسفة تعلمنا شيئا، فهو أن الهروب المكاني لا يعني بالضرورة حرية. قد تهرب من غرفة إلى شارع. ومن شارع إلى سفينة. ومن سفينة إلى صارية. لكن إذا بقي الخوف خلفك وفي داخلك، فأنت لم تهرب. لقد غيرت فقط شكل السجن. ربما لهذا تبدو القصة مضحكة وحكيمة في الوقت نفسه. إنّها حكاية عن إنسان حاول أن يتحول إلى طائر لأن الأرض أصبحت خطرة. لكن الطيور نفسها، لو كان لنا أن نسألها، ستخبره أنّ الحرية ليست مجرد جناحين. الحرية تحتاج إلى فضاء. وتحتاج إلى اتجاه. وتحتاج أحيانا إلى شجاعة النزول. وهنا يعود بيتر بان إلى القصة. بيتر بان يطير. لكن بيتر بان شخصية خيالية. أما رجال الشرطة، فهم حقيقيون. والصواري حقيقية. والخشب حقيقي. والجاذبية حقيقية.

ولهذا فإن أفضل ما يمكن أن يفعله الإنسان حين يجد نفسه فوق صارية هربا من الشرطة ربما ليس أن يواصل لعب دور بيتر بان. بل أن يتذكر أنّه إنسان. وأنّ الإنسان، مهما أحب السماء، يحتاج في نهاية الأمر إلى أرض يقف عليها. ربّما نزل الرجل. ربّما انتهت المطاردة. وربما أصبح ما حدث مجرد قصة طريفة يتناقلها أهل سان مالو: «أتذكرون الرجل الذي حاول الهرب من الشرطة فوق صواري السفينة؟» وسيضحكون. وسيضيف أحدهم مبالغة. سيقول آخر إنّه وصل إلى أعلى صارية. وسيقول ثالث إنّه كاد يطير. وسيظهر، بعد سنوات، من يقسم بأنه رأى الرجل يفاوض القمر. هكذا تولد الأساطير الصغيرة. حادثة في الليل. رجل فوق سفينة. شرطة في الأسفل. ثم الذاكرة تضيف الأجنحة.

وربما هذه هي أجمل نهاية ممكنة للقصة. أن يتحول رجل أراد أن يهرب من الشرطة إلى حكاية. فالحكايات، مثل البحر، لا تحب الحقائق الصلبة كثيرا. تأخذ رجلا. وتضعه فوق صارية. وتعطيه قليلا من الخوف. وقليلا من الحماقة. وقليلا من الشجاعة. ثم تترك الريح تفعل الباقي. وفي مدينة مثل سان مالو، حيث يعرف الناس أن البحر كان دائما مدرسة للرحيل والمغامرة والخطر، ربما لم يكن الرجل يحتاج إلى درس في الحرية بقدر ما كان يحتاج إلى درس في الجاذبية. فالحرية، في النهاية، ليست أن تصعد إلى أعلى مكان تستطيع الوصول إليه. الحرية أن تعرف متى تنزل. وأن تعرف لماذا كنت تصعد أصلا. أما بيتر بان، فليعد إلى عالمه. أما سان مالو، فلتربط سفنها جيدا. ولعل الشرطة، في المرة المقبلة، إذا وجدت متسللا على سفينة، لن تسأله: «لماذا دخلت؟» بل ستسأله أولا: «هل تنوي الطيران؟»

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *