حين يصبح الوجه مسرحا لجريمة لم يرتكبها

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في سنغافورة، لا تدخل الدولة، ابتداء من من شهر غشت، منطقة جديدة من مناطق القانون بقدر ما تدخل منطقة ملتبسة من الوجود نفسه: المنطقة التي لم يعد فيها الجسد وحده ملكا لصاحبه، بل صارت صورته، وسمعته، وملامحه، وحتى النسخة الوهمية منه، ساحات محتملة للاعتداء. القانون الجديد الذي يجرم إنتاج الصور الحميمة، بما فيها الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، من دون موافقة الشخص المعني، يبدو للوهلة الأولى كأنه نص تشريعي آخر في دفتر طويل من النصوص التي تحاول اللحاق بالتكنولوجيا. لكنه، في العمق، يشي بشيء أخطر بكثير: البشرية بدأت تكتشف أن الجريمة لم تعد تحتاج إلى جسد كي تقع، ولا إلى غرفة مغلقة، ولا إلى يد تمتد فعلا نحو الضحية. يكفي أحيانا أن تمتد خوارزمية.

لقد كان المعتدي القديم يحتاج إلى مكان، وإلى أداة، وإلى ضحية حاضرة. أما المعتدي الرقمي فقد لا يحتاج إلا إلى صورة عابرة، ووجه منشور على شبكة، وبضع كلمات يلقنها لآلة لا تعرف الخجل ولا الندم. ومن هذه المواد الهشة يستطيع أن يبني قبرا رقميا لشخص حي، ثم يتركه مفتوحا أمام الملايين. هنا تكمن المفارقة العجيبة: كلما ازدادت الآلة قدرة على اختراع الواقع، ازداد الإنسان حاجة إلى القانون كي يميز بين ما حدث فعلا وما يستطيع العالم أن يجعله يبدو وكأنه حدث. الصورة المولدة بالذكاء الاصطناعي ليست مجرد كذبة مرئية. إنها كذبة تستطيع أن ترتدي جلد الحقيقة. وهذا هو الفارق المرعب. فالكذبة التقليدية كانت تحتاج إلى راو، أما الكذبة الاصطناعية فقد أصبحت قادرة على صناعة مسرح كامل من دون ممثلين. يمكنها أن تمنح الوجه جسدا لم يمتلكه، وأن تمنح الجسد فعلا لم يرتكبه، وأن تزرع في ذاكرة المتلقي حدثا لم يقع قط. وهكذا يصبح الضحية مطالبا، على نحو مفارق، بأن يثبت براءته من شيء لم يحدث له. في هذه النقطة تحديدا يتجاوز الأمر قضية الإباحية أو التشهير أو إساءة استخدام التكنولوجيا. نحن أمام تحول فلسفي في معنى الحقيقة نفسها.

لقد كان المجتمع الحديث يقوم، ولو بصورة ناقصة، على افتراض بسيط: ما تراه قد يكون دليلا. أما عصر الذكاء الاصطناعي فيقلب هذه القاعدة رأسا على عقب. العين لم تعد شاهدا موثوقا، والصورة لم تعد وثيقة بالضرورة، والوجه لم يعد ضمانا للهوية، والتسجيل لم يعد بالضرورة أثرا لما وقع. لقد دخلنا زمنا تستطيع فيه الآلة أن تصنع ماضيا لشخص لم يعشه. ولهذا تبدو الخطوة السنغافورية أوسع من حدودها القانونية. إنها محاولة لإعادة رسم الخط الفاصل بين حرية التكنولوجيا وحرمة الإنسان. فالمشكلة ليست في أن الآلة تستطيع أن تتخيل، بل في أن خيالها يمكن أن يتحول، حين يقع في يد شخص سيئ النية، إلى سلاح اجتماعي. والأخطر أن هذا السلاح لا يترك جرحا ظاهرا. الرصاصة تصنع ثقبا يمكن للطبيب أن يراه. أما الصورة الحميمة المزيفة فقد تصنع ثقبا في السمعة، وفي العلاقات، وفي الحياة المهنية، وفي النفس، من دون أن يلتقط أحد صوت الرصاصة.

وقد يكون هذا النوع من العنف أكثر خبثا من العنف التقليدي، لأنه يستطيع أن يعيش بعد صاحبه. صورة واحدة يمكن نسخها آلاف المرات، ثم إعادة تركيبها، ثم نقلها بين منصات وبلدان ولغات، حتى يصبح حذفها أشبه بمحاولة اقتلاع ظل من جدار العالم. ومن هنا تأتي أهمية العقوبة التي أعلنتها سنغافورة: السجن لمدة تصل إلى عامين، والغرامة، أو كلاهما، مع تشديد العقوبات عندما يتعلق الأمر بأطفال دون الرابعة عشرة. لكن القيمة الحقيقية لهذه التشريعات لا تكمن فقط في عدد السنوات التي قد يقضيها الجاني خلف القضبان، بل في الرسالة التي تحملها: الموافقة ليست تفصيلا أخلاقيا يمكن للتكنولوجيا أن تلتف حوله؛ إنها حد قانوني وسيادي يحيط بجسد الإنسان وصورته وكرامته. فالوجه، في الحضارة الرقمية، أصبح نوعا من جواز السفر. وحين يستولي شخص على وجهك ليضعه في حياة لم تعشها، فهو لا يسرق صورة فحسب؛ إنه يحاول، ولو رمزيا، أن ينتحل وجودك.

وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي مرآة غريبة للإنسان: كلما منحناه قدرة أكبر على المحاكاة، كشف لنا شيئا أعمق عن غرائزنا القديمة. الرغبة في السيطرة، والانتقام، والابتزاز، والتشهير، والتلصص، كلها لم تولد مع الخوارزميات. الجديد فقط أن الخوارزمية منحت هذه الغرائز جناحين. ولهذا فإن المعركة المقبلة لن تكون بين الإنسان والآلة كما تحب الروايات المستقبلية أن تصورها، بل بين استخدامين للآلة: استخدام يجعل التكنولوجيا امتدادا لحرية الإنسان، واستخدام يحولها إلى مصنع واسع لانتهاك الآخرين. سنغافورة، بهذا المعنى، لا تحاول فقط أن تعاقب من يصنع صورة حميمة بلا موافقة. إنها تحاول أن تقول شيئا عن المستقبل: إن القدرة التقنية على فعل شيء لا تمنح بالضرورة الحق الأخلاقي أو القانوني في فعله. وهذه نقطة ينبغي ألا تضيع وسط الضجيج التقني. فالتكنولوجيا لا تسأل: هل يجوز؟ إنها تسأل فقط: هل يمكن؟

أما السؤال الأول، فهو ما يزال من اختصاص الإنسان. لكن هناك بعدا آخر لا يقل خطورة. فالقانون الجديد يوسع كذلك نطاق الملاحقة في بعض الجرائم الجنسية ضد القاصرين المرتكبة في الخارج، ويتيح ملاحقة حالات معينة حتى إذا غادر الجاني أو الضحية سنغافورة قبل وقوع الجريمة. وفي بعض الجرائم التي تستهدف طفلا دون الرابعة عشرة، قد تصل عقوبة السجن إلى سبع سنوات. هنا يتسع المشهد من شاشة الهاتف إلى خريطة العالم. فالفضاء الرقمي ألغى الحدود قبل أن تلحق بها القوانين. قد يكون المعتدي في دولة، والضحية في دولة ثانية، والخادم في دولة ثالثة، والمنصة في دولة رابعة، بينما تنتشر الجريمة في لحظة واحدة فوق قارات كاملة. لذلك يصبح القانون الوطني، وحده، مثل قارب صغير في بحر لا يعترف بالخرائط. وهذا يفسر لماذا تبدو التشريعات الجديدة كأنها محاولة لجر القانون نحو المستقبل من معطفه. أما عقوبة الجلد التي لا تزال موجودة في النظام القضائي السنغافوري، فتفتح بدورها بابا آخر من أبواب النقاش: كيف يعاقب المجتمع الجرائم الجنسية؟ هل العقوبة يجب أن تكون رادعة فقط، أم أن الردع نفسه يحتاج إلى حدود أخلاقية؟

سنغافورة، في الوقت ذاته، تخفف إلزامية الجلد في جرائم أخرى، مثل القرصنة ومحاولات السرقة وحيازة الأسلحة بصورة غير قانونية، بينما يبقى مستخدما في بعض الجرائم الجنسية الخطيرة. وهكذا تقف الدولة عند مفترق شديد التعقيد: آلة قانونية تحاول أن تكون أكثر صرامة مع الجريمة، وأكثر دقة في توزيع العقوبة، في عالم أصبحت فيه الجريمة نفسها أكثر مرونة من النصوص التي تحاول احتواءها. لكن السؤال الأكبر سيبقى معلقا فوق المستقبل كجرس لا يهدأ: ماذا يحدث حين يصبح من الممكن اختراع صورة لإنسان أسرع مما يستطيع ذلك الإنسان أن ينفيها؟ قد تكون هذه هي المعضلة الكبرى للقرن الرقمي. في الماضي، كان الظلم يحتاج إلى شاهد كاذب. اليوم قد يحتاج إلى مولد صور.

في الماضي، كان الافتراء ينتقل من فم إلى فم. اليوم ينتقل من خادم إلى خادم. وفي الماضي، كانت السمعة يمكن أن تتحطم في مدينة. اليوم تستطيع أن تتحطم في العالم كله قبل أن يستيقظ صاحبها. لذلك فإن حماية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون مجرد حماية لجسده من اللمس، بل حماية لصورته من الاختطاف، لهويته من الانتحال، ولسيرته من التزوير، ولقصته الشخصية من أن يعاد تأليفها على يد غرباء. إن أخطر ما في الذكاء الاصطناعي ليس أنه يستطيع أن يكذب علينا. بل أنه يستطيع أن يجعل الكذبة تبدو وكأنها ذكرى. ومن هنا، ربما، تبدأ المعركة الحقيقية: ليست معركة منع الآلة من الخيال، فهذا مستحيل وغير مرغوب فيه، بل معركة منع الخيال المصطنع من أن يتحول إلى سلطة على حياة إنسان لم يمنح أحدا الحق في اختراعها. سنغافورة تضع حجرا قانونيا في هذا الطريق. وقد يبدو الحجر صغيرا أمام اتساع الطريق. لكن بعض الأحجار الصغيرة هي التي تمنع الهاوية من أن تصبح طريقا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *