بقلم زكية لعروسي, باريس
في النهاية، لم يسقط الإنسان أمام التنانين ولا أمام الوحوش الأسطورية التي رسمها القدماء على جدران الكهوف. سقط – أو ارتجف على الأقل – أمام جرذ. جرذ صغير، بعينين لامعتين مثل حبتَي زيتون مبللتين بالخوف، يركض في ظلال الموانئ والمخازن والسفن، حاملا في دمه فيروسا قادرا على إدخال أقوى الدول في نوبة ارتباك بيروقراطي.
يا للمفارقة. الولايات المتحدة التي تملك: حاملات طائرات، أقمارا صناعية، ذكاء اصطناعيا، مختبرات بيولوجية تفكك الشيفرة الوراثية كما يفك شاعر حداثي قصيدة غامضة… وجدت نفسها مرة أخرى تشرح لشعبها لماذا يبدو “مركز السيطرة على الأمراض” مرتبكا أمام فيروس قديم تحمله القوارض منذ آلاف السنين. كأن الحضارة الحديثة بنت ناطحات سحاب شاهقة فوق قبو مليء بالجرذان… ثم نسيت القبو.
الجرذ ليس مجرد حيوان. إنه فيلسوف بقاء. بينما كانت الإمبراطوريات تنهار، والأديان تتحارب، والحكام يغيّرون الخرائط، كان الجرذ يواصل عمله الصامت تحت الأرض: يأكل، يتكاثر، يراقب، وينجو. لقد نجا من: الطاعون، الحروب العالمية، المجاعات، المبيدات، وحتى من المدن الحديثة التي ادّعت أنها قضت عليه. إنه الكائن الوحيد تقريبا الذي يبدو كأنه يفهم سر البشرية:
كلما تعقّدت الحضارة… زادت الشقوق التي يمكنه الاختباء داخلها. ومن تلك الشقوق بالذات خرج “الهنتافيروس” ليذكر الإنسان الحديث بأن الطبيعة لم توقّع أبدا على اتفاقية استسلام.

ثم جاءت سفينة MV Hondius، ذلك المسرح العائم وسط المحيط، لتعيد إنتاج الكابوس القديم بثياب معاصرة. السفن دائما كانت مختبرات الرعب البيولوجي. منذ القرون الوسطى، كانت الأوبئة تحب البحر.
كانت الجرذان تعشق السفن الخشبية القديمة كما يعشق السماسرة بورصات الحروب. واليوم، بعد قرون من العلم والتكنولوجيا، ما يزال المشهد نفسه يتكرر ولكن بديكور أكثر أناقة:
– سفينة سياحية
– كاميرات رقمية
– إنترنت فضائي
– وأطباء يرتدون بدلات معقمة…
لكن الخوف نفسه. الخوف البدائي الذي يجعل الإنسان يراقب جسده فجأة كأنه قنبلة بيولوجية محتملة. المثير للاهتمام ليس الفيروس وحده، بل الصمت الذي أحاط به. في أمريكا، لم يغضب الخبراء فقط بسبب الحالات، بل بسبب التأخر في الكلام. تأخر “CDC” في إصدار التحذيرات جعل كثيرين يشعرون أن المؤسسة التي كانت يومًا تُقدَّم كعقل العالم الصحي، أصبحت تتحدث كموظف بلدية مرتبك في نهاية دوامه. وهنا ظهر الشبح القديم: شبح كوفيد. منذ الجائحة، لم تعد الشعوب تثق بسهولة في الطمأنينة الرسمية. كل تأخير يبدو مؤامرة. كل صمت يبدو إخفاء للحقيقة. وكل تصريح مطمئن يبدو أحيانا كأنه إعلان غير مباشر عن كارثة قادمة. لقد خرج العالم من كوفيد بجهاز عصبي محطم. صرنا نعيش في حضارة “القلق الاستباقي”. نخاف حتى قبل أن يحدث الشيء. فلماذا تخيفنا الجرذان إلى هذا الحد؟

لأن الجرذ ليس مجرد ناقل مرض. إنه إهانة رمزية كاملة للإنسان الحديث. البشر أحبوا دائما الاعتقاد أنهم يسيطرون على العالم: شيّدوا المدن، روّضوا الأنهار، غزوا الفضاء، واخترعوا الخوارزميات. ثم يأتي جرذ صغير ليقول لهم: “أنتم لم تسيطروا على شيء.” الجرذ يذكّرنا بأن الحضارة مجرد طبقة طلاء رقيقة فوق فوضى هائلة. يكفي انقطاع الكهرباء أسبوعًا، أو انهيار نظام صرف صحي، أو فيروس صغير داخل ميناء، حتى تبدأ القشرة اللامعة للعالم بالتشقق. ولذلك كانت الجرذان دائما حاضرة في الأدب العظيم: عند دوستويفسكي كرمز للعتمة البشرية، عند كامو كصوت للعبث والطاعون، وعند كافكا كمرآة للإنسان المهان داخل متاهة لا يفهمها. الجرذ ليس حيوانا فقط…إنه استعارة للحقيقة التي نهرب منها.
الخبراء يقولون إن الهنتافيروس ليس “كوفيد جديدا”. ربما. لكن المشكلة أن البشرية لم تعد تتفاعل مع الفيروسات طبيا فقط، بل نفسيا أيضا. كل فيروس جديد صار يدخل عالما يعاني أصلا من: إنهاك جماعي، فقدان الثقة، إرهاق إعلامي، وشعور دفين بأن العالم فقد توازنه. ولذلك يبدو أي وباء صغير اليوم كأنه شرارة داخل مستودع خوف عالمي جاهز للاشتعال.
في التراث العربي كان يقال: “درهم وقاية خير من قنطار علاج.” لكن الحداثة المتغطرسة أحبت دائما العلاج أكثر من الوقاية، لأنه: أكثر استعراضا، أكثر ربحا، وأكثر قابلية للتصوير التلفزيوني. العالم ينفق مليارات على الأسلحة والذكاء الاصطناعي، لكنه يكتشف في كل أزمة صحية أن: المستشفيات ناقصة، أنظمة الإنذار بطيئة، والثقة الشعبية هشة كزجاج قديم.كأن البشرية تبني المستقبل فوق أرضية مليئة بالثقوب.…
ربما ليست المشكلة أن الجرذان هزمتنا. ربما المشكلة أننا بالغنا كثيرًا في تقدير انتصارنا على الطبيعة. فالإنسان الحديث يعيش بوهم السيطرة المطلقة: يضغط زرا فتأتيه سيارة، يضغط زرا فتصل طائرة، ويضغط زرا فتظهر له خريطة العالم. لكنه ينسى أن تحت كل هذه التكنولوجيا…ما تزال هناك كائنات صغيرة تتحرك في الظل، بصبر أقدم من الحضارة نفسها. الجرذان لا تملك جامعات ولا جيوشا ولا بورصات. لكنها تملك شيئا أخطر بكثير: القدرة العبقرية على النجاة. وربما لهذا، في كل مرة يظن الإنسان أنه صار سيد الأرض المطلق…تخرج له الطبيعة من أحد الأنابيب، مبتسمة بأسنان جرذ.
📲 Partager sur WhatsApp