أنا وجدة… وما زال فيَّ الكلام

زجل بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

أنا وجدة…
ماشي مدينة…
أنا كتاب ما تسدّش
وحكاية كتفيق مع الفجر
وكتنعس فوق كتف الريح

أنا لزاري…
الزنقة اللي كتعرف أسماء الخطاوي
والحيطان ديالها حافظين ضحكة الدراري
أكثر من طبقات الجير

أنا فيلاج الطوبة…
ما تبنيتش بالطوب
تبنيت بالعرق
وبقهاوي كتخمّر الكلام
وبعيون الناس اللي كانت كتزرع الصباح
قبل ما يفيق الديك

أنا وجدة…
آخر قميص لبساتو الذاكرة
قبل ما يسرقها الوقت
كل باب فيها
سبحة معلقة فإيد الزمان
وكل نافذة
كتطل على عمر ما بغاش يكبر

أنا وجدة…
المدينة اللي كتخبّي الشمس
فجيب البرتقال
وتطلقها عصافير
كيطيح الليل ساجد
قدّام المآذن

وسيدي يحيى…
آه… سيدي يحيى…
ماشي مقام…
راه باب سرّ
إذا قربتي ليه بقلبك
كيولي الماء حافظ اسمك
والريح كتصلي بلا صوت
والشجر كيبدل أوراقو
بحروف من الصوف

كنا نمشيو ليه
ونحسو الأرض كتتنفس من تحنا
والسماء كتنزل شوية
باش تسمع دعاء الولية
وكل ما ضحك سيدي يحيى
تزهر في وجدة عيون جديدة

وجامعة محمد الأول…
آه يا أوّل جامعة
علّمتني أنّ الكتاب
ماشي ورق…
الكتاب وطن
هناك…كنّا نحفظو القصائد
وننسى أسماءنا
نحفظو المتنبي
ويكبر خيالنا
نحفظو الجاحظ
فتضحك الحروف
نحفظو درويش
فتولي البلاد أكبر من الخرائط

وكانت القاعات…
بحال مراكب
كتبحر بين بحر المعرفة
وبحر الأحلام
وكان الأستاذ
بحال مؤذن للحكمة
كلّ كلمة من فمو
كتوقظ مدينة كاملة

أنا وجدة…
أنا ما عنديش شوارع…
عندي شرايين
ما عنديش ساحة…
عندي قلب كبير
كيجمع الغريب قبل القريب
حتى الريح الشرقية
إلى دخلات المدينة
كتخرج منها شاعرة
والقمر…
كيبات عندنا
حيت ما لقى حتى مدينة
كتنصت للنور بحال وجدة

يا وجدة…
واش باقيا تعرفني؟
أنا اللي كنت كنسرق الوقت
باش نكتب القصيدة
ونخبّي الدفاتر
تحت ظل الحيطان
واش باقي المقاهي
كتولد الأطباء والفلاسفة
بجوج دراهم ديال أتاي؟
واش باقي الليل
كيغسل وجهو
بضحكة
الجيران والعم والخال؟

أنا وجدة…
إلا بكى المغرب…
أنا الدّمع اللي كيواسيو
وإلا ضحك…
أنا الزغرودة الأولى
أنا ماشي مدينة…
أنا قصيدة
كتبها الله
بمداد الشرفا

أنا نخلة
كتثمر موسيقى غرناطية
أنا نافذة
كتطل على الجزائر
بقلب ما عمرو عرف ولا يعرف الكراهية
أنا أوّل سلام
وآخر دعاء للدّولة العلوية

أنا وجدة…
إذا مات الشعر…
غادي نوقف وسط الريح
ونقول:
أنا آخر مدينة…
ما زالت تحفظ القصيدة وتصون الزوايا

📲 Partager sur WhatsApp

4 thoughts on “ أنا وجدة… وما زال فيَّ الكلام

  1. وجدة يا عاصمة الشرق
    تلامسك الشمس عند الشفق
    انت جوهرة ولو في عز الغسق
    انت والليل في توالم وفي نسق
    وزكية اهدت لك مختارة من الذوق
    تبوح اشعارا من البعد ومن الشوق

  2. يذكرني ما تشي به الكلمات في هذه القصيدة الزجلية بالإفق التأملي الذي كتب به كونديرا رواية l’ignorance : كتابة الشوق والحنين للأمكنة التي يعتبر كل شيء فيها ” شيء- عالم”، “chose – monde” لأن شيءيته في كثافة حضورها، حمالة لشبكة من المعاني والدلالات، تحكي الذاكرة والتاريخ وعالم رمزي يسكنه القاطن بتلك الأمكنة. من هنا يدخل كثير من مثل هذه الأشياء ضمن ” أشياء القلب” لأن هذا الأخير ليس مجردة عضو بيولوجي، بل هو موطن الأشياء التي تترك في الكيان إشعاعات تصيب القلب عند الذكرى….
    .قصيدة زجلية يمكن أن تتحول إلى نص أغنية تتكلم صوت مدينة.

  3. ولو أنني لم أسكن وجدة، فإن هذه القصيدة الرائعة أيقظت عاصفة من الأحلام والذكريات الطيبة. شكرا.
    ملاحظة : في أخر كل قصيدة يقترح تشاركها وبعثها للأصدقاء، لكن العملية تمر حتما عبر ” copier/coller”

    1. أستاذنا الغالي اشكرلك أناقة حضورك الوازن. أما بالنسبة للتقاسم فهناك
      تحت المقال إمكانية التقاسم بالواتساب تحياتي بلا ضفاف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *