بقلم زكية لعروسي, باريس
في اللحظة التي كانت المدافع تكتب فيها جغرافيا جديدة للدم فوق تراب أوكرانيا، وفي الوقت الذي كانت فيه الأمهات يفتشن وسط الركام عن أصوات أطفالهن، وفيما كانت المدن تتحول إلى هياكل رمادية تشبه جماجم عملاقة تحت الثلج، خرج خبر آخر من دهاليز السياسة: مسؤول كبير، قريب من قلب السلطة، متهم بالفساد وغسل الأموال. وكأن البشرية لم تتعلم شيئا. كأن الحروب لا تعظ أحدا. كأن المقابر الجماعية لا تكفي لتربية الضمير. كأن الإنسان، حتى وهو يسمع صرير القيامة فوق رأسه، لا يستطيع مقاومة إغراء الجيب الممتلئ.
ما أعجب هذا الكائن. تسقط الإمبراطوريات، وتحترق المدن، وتجوع الشعوب، ثم يظهر دائما رجل يرتدي ربطة عنق أنيقة، يخبئ خلف ابتسامته حسابا بنكيا سريا، وشهية لا تشبع للمال. الرشوة أقدم من السياسة نفسها. بل ربما كانت السياسة ابنتها الشرعية. منذ أن اكتشف الإنسان المِلكية، اكتشف معها الرغبة في اختصار العدالة. ومنذ أن جلس أول قاض تحت شجرة ليفصل بين الناس، ظهر أول رجل يحمل كيسا صغيرا من الذهب في الظلام.
في الأساطير اليونانية، كان الآلهة أنفسهم يقبلون الهدايا والقرابين لتغيير المصائر. زيوس، سيد الأولمب، لم يكن بعيدا عن منطق المقايضة البشرية، وكأن الإغريق فهموا مبكرا أن الفساد ليس حادثا إداريا، بل غريزة كونية تتسلل حتى إلى السماء. أما العرب، فقد عرفوا الرشوة كما يعرف البدوي العطش. قال الجاحظ إن المال يفتح الأفواه المغلقة كما يفتح المفتاح الأبواب الصدئة. وحذر ابن خلدون من أن الدول حين تفسد أخلاق أهل السلطة، تبدأ الشيخوخة في عظامها حتى لو كانت جيوشها قوية. وفي كتب الفقه القديمة، كانت الرشوة تسمى أحيانا “السحت”، كلمة تبدو كأنها خرجت من فم جحيم قديم، لأنها لا تعني المال الحرام فقط، بل المال الذي يأكل روح صاحبه ببطء.
العجيب أن المرتشي لا يرى نفسه شريرا. وهنا تكمن عبقرية الشر. نادرا ما يوجد فاسد يعتقد أنه فاسد. كلهم يمتلكون سردياتهم الخاصة: “الجميع يفعل ذلك”. “إنها مجرد هدية”. “أنا أستحق أكثر”. “الدولة لم تنصفني”. “هذه فرصة لن تتكرر”. وهكذا تتحول الرشوة من جريمة إلى فلسفة صغيرة لتبرير الجشع. الإنسان لا يسرق المال فقط، بل يسرق المعنى أيضا. حين يقبل مسؤول رشوة وسط الحرب، فهو لا يسرق خزينة دولة فحسب، بل يسرق من الجنود موتهم النبيل، ومن الأمهات دموعهن، ومن الفقراء حقهم في أن يصدقوا شيئا في هذا العالم.
أي عبث هذا؟ مدينة تحترق…ورجل يفكر في شراء شقة فاخرة. أطفال ينامون في الملاجئ…وموظف يعد الأموال تحت ضوء خافت. جنود يعودون بلا أطراف…وسياسي يفاوض محاميه حول قيمة الكفالة. كأن البشرية مصابة بانفصام أخلاقي هائل. في بعض الروايات الروسية، يبدو الإنسان دائما ممزقا بين القديس واللص. وفي “الجمهورية” لأفلاطون، يظهر السؤال الأبدي: هل الإنسان عادل بطبيعته أم لأنه يخاف العقاب؟ لكن التاريخ أجاب بطريقة ساخرة: كلما ضعفت المراقبة، خرج الوحش القديم من مخبئه.

الرشوة ليست مجرد ظرف مالي يمر تحت الطاولة. إنها لحظة سقوط ميتافيزيقي. لحظة يقرر فيها الإنسان أن العالم ليس فكرة أخلاقية، بل سوق كبيرة يمكن شراء كل شيء فيها: القانون، الضمير، الوطنية، وحتى الموت. ولهذا تبدو فضائح الفساد في زمن الحروب أكثر بشاعة من الحرب نفسها أحيانا. الحرب قد تقتل الجسد، لكن الفساد يقتل الثقة، والثقة حين تموت يصبح الوطن مجرد فندق مؤقت يسرق الجميع مناشفه قبل الرحيل. ومع ذلك، لا تتوقف الحضارات عن إنتاج الفاسدين. روما كانت غارقة في الرشاوى وهي تبني أعظم طرق العالم. الدولة العباسية كانت تمتلئ بالشعراء والعلماء والمرتشين معا. وفرنسا التي كتبت إعلان حقوق الإنسان عرفت هي الأخرى سماسرة القصور. كأن الحضارة لا تلغي الظل، بل تجعله أكثر أناقة فقط.
إن المأساة الحقيقية ليست أن هناك فاسدين، بل أن الإنسان يكرر الخطيئة نفسها منذ آلاف السنين دون أن يتعب. كل جيل يعتقد أنه أذكى من السابق، ثم يسقط في الحفرة نفسها ولكن بربطة عنق أحدث، وحساب بنكي أكثر تطورا، وخطاب أخلاقي أكثر براعة. وهكذا تستمر المسرحية البشرية العظمى: الجنود يموتون على الجبهات، والسياسيون يتحدثون عن الوطنية، والفلاسفة يكتبون عن الفضيلة، وفي مكان ما، داخل مكتب هادئ، ما يزال شخص ما يفتح درج الطاولة ليعد المال بصمت. كأن قابيل لم يمت أبدا.
📲 Partager sur WhatsApp
ليس للاديولوجيا كما الفساد او الشر كوجيطو. وكبار قادة الحروب ةالدمار وقتل الاطفال، يعتبرون أنفسهم هم المهددون في الارض لذا يجتهدون في حياكة الكذبة المسوغ لتحريك آلة القتل. وكم من كذبة كانت وراء إبادة كثير من الأنظمة وبنيات المجتمع. هؤلاء يتغذون على الأنوار المظلمة
حدة في التحليل ودقة في التعبير وأمثلة تدل على أعلى أفق المعرفة العامة والثقافة الواسعة قلما تعودناها عن كتاب الصحافة. إنها روعة في الأسلوب تحاور لذته صواب منطق التحليل وصدق الوصف. لطراز مقالاتها الفريدة من نوعها، تستحق زكية لعروسي أعلى جائزة للكتاب العرب.