رئيسة تحرير الورقاء: زكية لعروسي, باريس
إلى السيد وزير الشباب والثقافة والتواصل،
السيد محمد المهدي بنسعيد المحترم،
الموضوع: سجلماسة ليست حجارة تهدم… بل روح أمة تختبر
سلام على من يقدر أن بعض المدن ليست خرائط فقط، إنّما يختبئ في ترابها من أنفاس الأولياء، وبما يعلو فوق جدرانها من دعاء العابرين، وبما يتسرّب من صمتها من تاريخ يشبه النبوءات.
سيدي الوزير،
ليست سجلماسة مدينة عادية حتى تعامل بمنطق الإسمنت، ولا سوقا مهجورا حتى يلقى في فم الجرافات كما تلقى العظام اليابسة في محارق النسيان. سجلماسة ليست أطلالا… إنها ذاكرة المغرب حين كان المغرب يكتب اسمه بالحبر الروحي على جبين إفريقيا. هناك، عند الريصاني، لا يمشي الإنسان فوق الأرض؛ بل فوق قرون من التلاوة والصبر والملح والذهب والعبور. هناك كانت القوافل تأتي محمّلة بالعاج والحرير، لكنها تعود محمّلة بما هو أثمن: معنى الحضارة. هناك كانت المآذن تتعانق مع غبار الصحراء، وكانت الزوايا تضيء الليل كأنها مصابيح أبدية معلّقة بين السماء والرمل.
فكيف – يا سيدي الوزير– يختلط النبل بالإسمنت؟ كيف تحاصر قداسة المنابر بطاحونة تصدر ضجيجا يشبه سقوط المعنى؟
كيف تتحول أرض كانت تنجب العلماء والمتصوفة إلى فضاء يُولد فيه التاريخ بصفعات الآلات الثقيلة؟ أيُّ مفارقة هذه؟
أن تترك سجلماسة، القدس المغربية، وأرض القداسة وحيدة في مواجهة الجير والغبار؟ أن يختزل مجد قرون في مشروع رماديّ لا يرى في الأرض سوى مادة للبناء، بينما يراها أهل المعرفة نصّا مقدّسا منقوشا في ذاكرة الوطن؟
لقد صرخ علماء الآثار. صرخ الأركيولوجيون الذين يعرفون أن المدن القديمة تموت مرة واحدة فقط، وأن موتها لا يمكن التراجع عنه. صرخوا لأنهم رأوا ما لا يراه المستثمرون: رأوا أن كل حفنة تراب هناك تحمل أثر قدم مرّت نحو مكة، أو دعاء فقيه عبر نحو تمبكتو، أو دمعة ناسك احتمى بسجلماسة من قسوة العالم. لكن السؤال الذي صار أكبر من الغبار نفسه: ماذا عن رسالة السيدة النائبة البرلمانية نعيمة الفتحاوي؟
تلك الرسالة التي لم تكن ورقة إدارية، بل صرخة سياسية وأخلاقية وتاريخية. رسالة تسأل عن “عذرية المكان”، عن الضمانات، عن الروح التي إذا انكسرت لا يصلحها ترميم. رسالة تشبه يدا ممدودة قبل السقوط الأخير. فلماذا لم يصل الجواب؟ ولماذا يبدو الصمت كأنه جدار إسمنتي آخر يبنى فوق صدر سجلماسة؟ هل ما زالت النائبة تنتظر؟ الانتظار يجب أن لا يكون قدر من يدافع عن الذاكرة؟

سيدي الوزير،
التاريخ لا يرحم الذين يتأخرون عن إنقاذ المدن المقدسة..إن سجلماسة ليست شأنا محليا. إنها اختبار أخلاقي للدولة كلها. إما أن نكون أوفياء لذاكرة المغرب العميقة، أو نترك الإسمنت يبتلع آخر ما تبقى من وجهه الروحي. أنقذوا سجلماسة, سيدي الوزير, قبل أن تصبح مجرد اسم في كتب المؤرخين. أنقذوا الريصاني قبل أن يتحول إلى أسطورة يرويها الأحفاد بحزن.
وأجيبوا عن رسالة السيدة الفتحاوي.
وتفضلوا، السيد الوزير، بقبول ما يليق بالمقام من احترام يختلط فيه الغضب بالحزن، والرجاء بالخوف على وطن لا نريد أن تتآكل ذاكرته بصمت.
📲 Partager sur WhatsApp