فرنسا بين الإنفاق الصحي وقلق الحسابات

بقلم زكية لعروسي, باريس

في الاقتصاد، ليست الأرقام مجرد معطيات محاسبية جامدة، بل هيانعكاس لصحة الأمم وعمق اختياراتها السياسية والاجتماعية. وعندما يعلن تقرير لجنة حسابات الضمان الاجتماعي في فرنسا أن عجز “السكيوريتي سوسيال” قد يبلغ 23.2 مليار يورو سنة 2026، فإن الخبر لا يتعلق بثقب مالي إضافي فحسب، بل يكشف عن لحظة مفصلية في تاريخ النموذج الاجتماعي الفرنسي، ذلك النموذج الذي طالما اعتُبر تاج دولة الرفاه الأوروبية وأحد أعظم إنجازات الجمهورية الحديثة.

لقد بنت فرنسا، على مدى عقود، منظومة صحية تكاد تكون استثناء عالمياً. فالمواطن الفرنسي يستطيع الوصول إلى العلاج، والدواء، والجراحة، والرعاية طويلة الأمد، والتغطية الصحية الشاملة، بكلفة مباشرة منخفضة مقارنة بمعظم الاقتصادات المتقدمة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل النظام ناجح؟ بل: هل يستطيع الاستمرار بالوتيرة نفسها؟ حين يرتفع العجز المتوقع من 19.4 مليار يورو إلى 23.2 مليار يورو، فإن التفسير السطحي يربطه بارتفاع أسعار النفط أو تباطؤ النمو الاقتصادي. لكن القراءة الاستراتيجية تكشف أسباباً أعمق. فالضمان الاجتماعي الفرنسي يعتمد أساساً على المساهمات المرتبطة بالعمل والأجور. وعندما يتباطأ الاقتصاد، تتباطأ الوظائف وترتفع الضغوط على الأجور، فتتراجع الإيرادات تلقائياً. وفي المقابل، لا تتراجع النفقات الصحية بل تميل إلى الارتفاع باستمرار بسبب:

– شيخوخة السكان.

– ارتفاع كلفة الابتكارات الطبية.

– زيادة الأمراض المزمنة.

– التوسع المستمر في التغطية الصحية.

– ارتفاع تكاليف الأدوية والتجهيزات المستوردة.

بمعنى آخر، فرنسا تواجه معادلة خطيرة: الإيرادات تنمو ببطء، بينما النفقات الصحية تتسارع بوتيرة أكبر. وهذه ليست أزمة ظرفية، بل أزمة هيكلية. تكمن المفارقة في أن معظم أسباب العجز ناتجة عن نجاح النظام نفسه. ففي دول كثيرة يؤدي ضعف الإنفاق إلى تقليص العجز المالي، لكنه يفاقم العجز الصحي والاجتماعي. أما فرنسا فقد اختارت الاتجاه المعاكس: الإنفاق المرتفع من أجل حماية المجتمع. فعندما يصاب عامل بمرض خطير، أو يحتاج متقاعد إلى علاج طويل الأمد، أو تستقبل المستشفيات آلاف الحالات المعقدة، فإن الدولة لا تترك المواطن لمصيره. هذه السياسة تصنع استقرارا اجتماعيا هائلا، لكنها تخلق فاتورة متصاعدة باستمرار. ولهذا فإن جزءا من العجز الفرنسي يمكن اعتباره “عجز رفاه”، لا “عجز فشل”. غير أن هذا لا يلغي خطورته. تقرير اللجنة يربط التدهور أيضا بارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وهنا تظهر حقيقة اقتصادية غالبا ما يغفلها الرأي العام: ميزانية الضمان الاجتماعي ليست معزولة عن الجغرافيا السياسية. فكل ارتفاع في أسعار الطاقة يؤدي إلى:

– زيادة تكاليف النقل والخدمات الصحية.

– ارتفاع أسعار المواد الأولية.

– ضغط على القدرة الشرائية للأسر.

– تباطؤ الاستهلاك والاستثمار.

– تراجع النشاط الاقتصادي وبالتالي تراجع الإيرادات الضريبية والاجتماعية.

بكلمات أخرى، برميل النفط الذي يرتفع في الخليج قد يترك أثرا مباشرا على حسابات المستشفيات وصناديق التأمين الصحي في باريس ومرسيليا وليون. هنا يقع كثير من المحللين في خطأ شائع. فالأرقام لا تدل بالضرورة على أن فرنسا تنفق أكثر من اللازم، بل تشير إلى أن النمو الاقتصادي لم يعد قادرا على تمويل مستوى الحماية الاجتماعية الذي اعتادت عليه البلاد. إن الفرق جوهري. فلو كان الاقتصاد الفرنسي ينمو بمعدلات مرتفعة تتجاوز 2 أو 3 بالمئة سنوياً، لكانت إيرادات الضمان الاجتماعي أكبر بكثير، ولأصبح جزء مهم من العجز قابلاً للاحتواء. المشكلة إذن ليست صحية فقط، بل إنتاجية أيضا. ولهذا فإن إصلاح الضمان الاجتماعي دون إصلاح الاقتصاد يشبه محاولة تفريغ الماء من سفينة مثقوبة دون سد الثقب نفسه. خلال العقود الماضية، استطاعت فرنسا تمويل نموذجها الاجتماعي عبر مزيج من الضرائب والاشتراكات والنمو الاقتصادي والاقتراض. لكن البيئة العالمية تغيرت:

– نمو اقتصادي أضعف.

– منافسة دولية أشد.

– ديون عامة مرتفعة.

– شيخوخة ديموغرافية متسارعة.

– أزمات جيوسياسية متكررة.

كل هذه العوامل تجعل الحفاظ على النموذج الحالي أكثر صعوبة عاما بعد عام. ولهذا فإن النقاش الحقيقي لم يعد يدور حول بضعة مليارات إضافية من العجز، بل حول سؤال أكبر بكثير: كيف يمكن لفرنسا أن تحافظ على أحد أكثر الأنظمة الصحية إنسانية وسخاء في العالم دون أن تتحول فاتورته إلى عبء دائم على المالية العامة؟ وهل الأزمة انهيار بل إنذار؟ من الخطأ تصوير عجز الضمان الاجتماعي الفرنسي على أنه دليل فشل للنظام الصحي. فالواقع أن فرنسا ما زالت توفر مستوى من الحماية والعلاج يحسدها عليه كثير من الدول المتقدمة. لكن من الخطأ أيضا التقليل من أهمية الأرقام الحالية. فعجز يقترب من 23 مليار يورو ليس مجرد خلل محاسبي عابر، بل رسالة اقتصادية واضحة مفادها أن دولة الرفاه الفرنسية دخلت مرحلة تتطلب إعادة توازن دقيقة بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية. إن فرنسا لا تواجه أزمة مستشفيات، ولا أزمة أطباء، ولا أزمة تأمين صحي بالمعنى التقليدي؛ إنها تواجه التحدي الأصعب في تاريخ دولة الرفاه الحديثة: كيف تحافظ على السخاء الاجتماعي عندما يصبح النمو الاقتصادي أقل سخاء من الماضي؟ وهذا هو السؤال الذي سيحدد شكل النموذج الفرنسي خلال العقد القادم، وربما شكل أوروبا الاجتماعية بأكملها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *