بقلم زكية لعروسي, باريس
هناك شيء مكسور في قلب الحكاية الأوروبية الحديثة. شيء يشبه مرآة ضخمة تعكس الوجوه، لكنها ترفض أن تعترف بأصحابها. نقول لأبناء الجيل الثالث: أنتم أبناء هذا الوطن، ثم نعود فنضعهم كل صباح داخل قوس اسمه “الهجرة”. نطالبهم أن يذوبوا في المجتمع، لكننا نُذكِّرهم عند كل دراسة، وكل نقاش تلفزيوني، وكل تقرير سوسيولوجي، بأنهم “أبناء مهاجرين”، حتى وإن كانت أقدام أجدادهم قد تعبت منذ نصف قرن فوق أرصفة باريس ومصانع ليون وضواحي سان دوني. أيُّ انفصام هذا الذي نعيشه كمثقفين وكمؤسسات وكمجتمعات؟ وأيُّ سكيزوفرينيا جماعية تجعلنا نمدّ لهم شهادة المواطنة بيد، ثم نسحبها باليد الأخرى تحت اسم “أزمة الاندماج”؟
الحقيقة أن الطفل المغربي المولود في فرنسا لا يعيش داخل وطن واحد، بل داخل زلزالين. في البيت يقال له: “لا تنسَ من أنت”. وفي المدرسة يقال له، بطريقة أكثر تهذيبا وربما أكثر قسوة: “لكي تنجح، عليك أن تصبح شخصا آخر”. وهكذا يكبر وهو يحمل وطنين داخل جمجمته: وطنا من لحم الذاكرة، ووطنا من ورق الإدارة. لكن المأساة الحقيقية لا تبدأ عند الطفل. إنها تبدأ عند الأم. الأم المغاربية في أوروبا ليست مجرد امرأة تربي أبناءها؛ إنها آخر حارسة لذاكرة كاملة. هي الأرشيف الحيّ للهجة، ولرائحة الكسكس يوم الجمعة، ولطريقة تقبيل رؤوس الأطفال، ولأغاني النوم القديمة التي عبرت المتوسط داخل حقائب الهجرة مثل تعاويذ ضد النسيان. وحين تدخل هذه الأم إلى المدرسة الأوروبية، تشعر أحيانا كما لو أنها تدخل محكمة غير معلنة. كل حركة قابلة للتأويل. كل عادة قابلة للاشتباه. كل أثر على جسد الطفل قد يتحول إلى ملف.
خديجة، الأم القادمة من سان دوني، لم تكن تتحدث عن المدرسة بوصفها مؤسسة تعليم فقط، بل بوصفها جغرافيا للخوف.
قالت: “كيف نربي أبناءنا ونحن خائفون طوال الوقت؟” كانت تحكي عن تلك اللحظة الصغيرة التي تبدو تافهة في ظاهرها، لكنها تختصر مأساة عالمين لا يفهم أحدهما الآخر. استعملت “الكيس” المغربي أثناء تحميم ابنها، كما فعلت أمها وجدتها وكل نساء العائلة منذ قرون. ظهرت خدوش بسيطة على جسده. ثم جاء يوم السباحة المدرسية. ثم جاء الاستدعاء. ثم جاءت الأسئلة. في تلك اللحظة، لم تكن خديجة تشعر بأنها متهمة فقط؛ كانت تشعر بأن تاريخا كاملا يستدعى إلى قفص الاتهام. طريقة اللمس، وطريقة التنظيف، وطريقة الحنان نفسها. كم يبدو العالم قاسيا حين تضطر أمّ إلى شرح معنى “الكيس المغربي” داخل غرفة تحقيق تربوي. وأم أخرى تحكي أن طفلها سقط من السرير، فاستيقظت هي على كابوس أكبر من السقوط نفسه: كيف ستفسر الزرقة على جسده؟ كيف ستثبت أنها أمّ وليست متهمة؟
إننا لا نتحدث هنا عن حوادث معزولة، بل عن خوف أنثروبولوجي كامل. الخوف من أن تصبح الأمومة الشرقية نفسها موضع ريبة. وهنا تبدأ المأساة الثانية: مأساة الهوية. فالمدرسة الحديثة تقول إنها محايدة، لكنها ـ كما فهم بيير بورديو ـ ليست بريئة تماما. إنها تشبه آلة عملاقة لطحن الفوارق الثقافية وتحويلها إلى نموذجٍ واحد قابل للاعتراف. الطفل الذي يدخلها لا يتعلم الرياضيات واللغة فقط؛ بل يتعلم أيضا أيَّ جزء من نفسه ينبغي أن يخفيه حتى يكون “عاديا ولهذا تخاف المراهقات من الذهاب إلى المسجد لتعلم العربية. ليس لأنهن يكرهن اللغة، بل لأن المجتمع جعل اللغة نفسها قابلة لسوء الفهم. إحدى الفتيات قالت بمرارة مذهلة: “حين كنا صغيرات كان الأمر عاديا… أما الآن، فالمسجد قد يفسد سمعتنا في الثانوية”. يا لها من جملة مخيفة. أن تصبح اللغة التي نزل بها الشعر والمتنبي وابن عربي عبئا اجتماعيا على فتاة في السادسة عشرة. لقد وصلنا إلى مرحلة يشعر فيها بعض أبناء الجالية أن عليهم الاختيار بين أمرين: إما النجاح الاجتماعي، وإما الوفاء لذاكرتهم. وهذا أخطر ما يمكن أن تفعله مدرسة بأي طفل: أن تجعله يشعر أن النجاح يمر عبر محو جزء من روحه.
في التراث العربي كان التربويون يدركون أن الإنسان لا يبنى بالمعرفة وحدها، بل بالأمان الرمزي أيضا. ابن خلدون فهم مبكّرا أن المغلوب قد يبدأ في احتقار ذاته وتقليد الغالب حتى في تفاصيله الحميمة. أما الغزالي فكان يرى أن التربية ليست حشوا للمعلومات، بل هندسة دقيقة للروح. لكن ماذا يحدث حين تصبح الروح نفسها منقسمة بين منزل يريد حماية الإرث، ومدرسة تخشى هذا الإرث دون أن تعترف بذلك صراحة؟
الأمهات لا يطلبن امتيازات. لا يطلبن مدارس دينية مغلقة. ولا يطلبن الانفصال عن المجتمع. إنهن يطلبن شيئا أكثر بساطة وأكثر إنسانية: أن يُسمح لهن بتربية أبنائهن دون خوف. أن يتعلم الطفل العربية دون أن ينظر إليه كمشروع تطرف مؤجل. أن تصوم فتاة رمضان دون أن تشعر أنها مطالبة بتبرير روحها. أن تحافظ الأسرة على شيء من طريقتها في الحنان والتربية دون أن تدخل في حالة دفاع دائم. لكن كيف يمكن تحقيق ذلك في غياب مراكز ثقافية حقيقية؟ كيف نطلب من الأسر أن تمرر اللغة والتاريخ والذاكرة بينما المجتمع لا يوفر فضاءات طبيعية وآمنة لهذا الانتقال الحضاري؟

إن المراهقة، كما يقول علماء النفس، ليست مجرد مرحلة عمرية؛ إنها حرب أهلية داخل النفس. وفي هذه الحرب، إذا لم يجد الشاب معنى متوازنا لهويته، فقد يسقط إما في الذوبان الكامل، أو في الانغلاق الكامل. وكلاهما شكل من أشكال الضياع. لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: “لماذا يفشل بعض أبناء الجيل الثالث في المدرسة؟” السؤال الحقيقي هو: أيُّ مجتمع هذا الذي يريد من الطفل أن ينجح، لكنه يخاف من ذاكرته؟ وأيُّ مدرسة هذه التي تعلِّم أبناءنا كيف يكتبون الإنشاءات الجميلة، لكنها لا تعرف كيف تُطمئن أمّا ترتجف خوفا على ابنها كلما دق هاتف المدرسة؟
لقد آن الأوان لكي نعترف بأن الهوية ليست معطفا يمكن خلعه عند باب الفصل الدراسي. الهوية تسكن طريقة الكلام، وطريقة الحب، وطريقة الخوف، وحتى طريقة تحميم الأطفال. ولهذا فإن فصل التعليم عن الإرث الاجتماعي والثقافي وهم كبير. فالطفل لا يدخل المدرسة وحده؛ يدخل معه تاريخ العائلة كله: لهجة الجدات، وصور الأعياد، ورائحة الحريرة، وخوف الآباء،
وأحلام الأمهات. إن المدرسة التي لا تفهم هذا، ستستمر في إنتاج مواطنين متعلمين… لكن هشّين من الداخل. أما المدرسة العادلة حقا، فهي التي لا تطلب من الطفل أن يقتل جزءا من ذاكرته كي يُسمح له بالمستقبل.
