كهنة الرّماد: أمريكا وإيران

بقلم زكية لعروسي, باريس

ثمّة تعب قديم للعالم، يمتدّ كأثر دخان أسود بين صحارى فارس ورخام واشنطن البارد. تعب لا تخفيه الابتسامات البروتوكولية، ولا تمحوه البيانات الدبلوماسية المصقولة كالسيوف. خلف الأعلام المرتفعة، وخلف الخرائط العسكرية، وخلف الشاشات التي تحوّل السياسة إلى مسرح كونيّ، ينهض شيء أقدم من الدول ذاتها: خوف الإنسان الأبديّ من الزوال. فالسياسة، في جوهرها السحيق، ليست سوى لاهوت يرتدي بذلة رسمية. كلّ إمبراطورية تنتهي إلى الاعتقاد بأنها الناطق الرسمي باسم القدر، وكلّ قوة عظمى تتوهّم أن التاريخ قد اختارها لتكون تعريف الخير الأخير. وحين تتقابل يقينيّتان مقدّستان، تتوقّف الدبلوماسية عن أن تكون حوارا، وتتحوّل إلى طقس معلّق فوق الهاوية.

بين أمريكا وإيران لا تتواجه دولتان فحسب، بل تتقابل رؤيتان ميتافيزيقيتان للعالم. إحداهما تتحدّث بلغة الحديد: حاملات الطائرات، العقوبات، الأسواق، وأرقام النفط. والأخرى تتكلّم بأبجدية مشبعة بذاكرة الشهداء، وحرارة الثورات، وبلاغة النبوءات. غير أنّهما، رغم التناقض الظاهر، تتشابهان على نحو مخيف: كلاهما يرى نفسه حارسا للحقيقة الأخيرة. وهنا تبدأ المأساة.

الإغريق القدماء فهموا هذا باكرا. كان ثوسيديديس يدرك أن الحروب نادرا ما تبدأ بالأسباب التي تعلنها. تتحدث الدول عن العدالة، وعن الأمن، وعن حماية الشعوب، لكنّ ما يتحرّك في الأعماق هو شيء آخر: الخوف، والكبرياء، والرغبة المحمومة في البقاء أطول من الآخرين. ولذلك تبدو المفاوضات الحديثة أشبه بهدنات المآسي الإغريقية؛ تلك اللحظات التي تتوقّف فيها الجيوش مؤقتا عن سفك الدم كي تستشير العرّافين. التصريحات الحذرة، والمقترحات التي «تدرَس»، والتهديدات المعلّقة كالسيوف فوق الرقاب، كلّها ليست سلاما، إنّما مسرحا للزمن المؤجّل. العالم يراقب كما يراقب رجل مصباحا يرتجف في غرفة مشبعة بالغاز.

لقد أصبحت الحرب الحديثة أكثر رعبا لأنها لم تعد تحتاج إلى قرار كامل كي تبدأ. يكفي سوء تأويل. طائرة بلا طيّار. إهانة عابرة. تغريدة مرتعشة. أو غرور رجل يظنّ نفسه أكبر من التاريخ. الفلاسفة العرب كانوا سيطلقون على هذا المشهد اسم «الفتنة الكبرى»؛ اللحظة التي تصبح فيها الانفعالات الجماعية أقوى من الحكمة الفردية. وكان ابن خلدون سيبتسم ابتسامته السوداء وهو يرى الإمبراطوريات الحديثة تكرّر المصير ذاته الذي وصفه منذ قرون: الدول لا تسقط فقط حين تضعف عسكريا، بل حين يبدأ المعنى الذي يبرّر وجودها بالتآكل من الداخل.

وما عصرنا إلا عصر يقين متآكل. الغرب يشكّ في هيمنته. والشرق يشكّ في ذاكرته. والشعوب تشكّ في قادتها. والقادة أنفسهم يشكّون في قدرتهم على التحكّم بالنار التي أشعلوها. ولذلك يرتفع الصراخ السياسي كل يوم، لا لأن العالم واثق من نفسه، بل لأنه يرتعب من الفراغ الكامن خلف الكلمات. الأكثر إثارة للفزع أن قادة العصر لم يعودوا يتحدثون بلهجة المنتصرين القدامى، بل بارتباك رجال يسيرون فوق جليد يتشقق تحت أقدامهم. يهدّدون ويتفاوضون في الجملة ذاتها، يعدون بالسلام فيما القاذفات تشحَن في القواعد العسكرية، ويتحدثون عن الاستقرار فيما أصابعهم تقترب من أزرار الخراب. كأن العالم دخل مرحلة «اللايقين المسلّح». هنا كان دوستويفسكي سيجد مادته الأثيرة. ففي رواياته لا يصبح الإنسان خطيرا لأنه شرير فحسب، بل لأنه يقتنع بأنه حامل الحقيقة المطلقة. وما الدول الحديثة إلا شخصيات دوستويفسكية عملاقة: قوى نووية قلقة، مذهولة بقوتها، مذعورة من ضعفها، راغبة في إنقاذ العالم ومستعدّة في الوقت نفسه لإحراقه.

في واشنطن كما في طهران، يظهر دائما كهنة الحرب. خبراء بوجوه باردة. استراتيجيون يتحدثون بلغة الأرقام فيما أرواحهم مأهولة بالأساطير. تجّار خوف يعتاشون على فكرة العدو الأبدي. وعاظ إعلاميون يحوّلون القلق العالمي إلى صناعة يومية. إنهم يعرفون سرّا قديما: السلام يتعب السلطة، أما الحرب فتعيد إليها المعنى. السلام يفرض البناء. أما الحرب فتمنح الجميع عدوّا واضحا، والإنسان المرهق يعشق الأعداء، لأنهم يبسطون العالم. الرومان فهموا ذلك حين جعلوا حدودهم ملتهبة باستمرار. والفرس القدماء أدركوا أن الإمبراطورية تحتاج أحيانا إلى خصم خارجي كي لا ترى تصدعاتها الداخلية. أما البيزنطيون، فقد حوّلوا الدبلوماسية إلى فنّ شبحي: تأجيل الانهيار، وربح الوقت، وإقناع الموت بالانتظار قليلا.

وربما هذا بالضبط ما يحدث الآن. دبلوماسية السُّعار المؤجَّل. العالم لم يعد يؤمن بسلام دائم، بل صار يحاول فقط تأخير الكارثة التالية. المفاوضات الدولية تشبه أطباء يائسين يحاولون إبطاء نزيف حضاريّ هائل. ومع ذلك، ورغم هذا كله، يبقى شيء إنسانيّ صغير يقاوم وسط العاصفة: الخوف المشترك. الجميع يعلم، في السرّ، أن حربا شاملة اليوم لن تنتج أبطالا ولا منتصرين. ستخلّف فقط مدنا متفحّمة، وأقمارا صناعية ترصد من الفضاء بقايا حضارة احترقت وهي تتجادل حول معنى الخلاص. المآسي الإغريقية كانت تنتهي دائما بوصول الحكمة متأخرة. متأخرة عن إنقاذ الضحايا، لكنها كافية لفضح جنون الأحياء. وربما يقف عالمنا الآن على عتبة تلك اللحظة. لحظة يكتشف فيها الشرق والغرب أن الكارثة الحقيقية ليست الحرب وحدها، بل الوهم الدينيّ القديم القائل إن التاريخ قد اختار معسكرا نهائيا للحقيقة. فالتاريخ لا يختار أحدا. التاريخ… يلتهم الجميع.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *