بقلم زكية لعروسي, باريس
ثمّة، خلف الستائر القرمزية للمسارح، قبو رطب تتهاوى فيه التماثيل عن قواعدها. هناك، في عتمة تشبه الأروقة الخلفية للمآسي الإغريقية، يكفّ الفن أحيانا عن أن يكون صعودا، ويصير جوعا. جوعا قديما. جوعا حيوانيا. وتتحوّل الأصوات التي كانت تقود الشعوب نحو الجمال إلى لهاث مينوتور تائه في متاهته الخاصة. منذ أناشيد ديونيسوس الأولى حتى صالات عصرنا الكهربائية، تبدو الشهرة كأنها تجرّ وراءها قافلة من الظلال. كأن كل تصفيق يترك على الروح غبارا سامّا. وكأن الهتاف المتكرر في أذن الإنسان بأنه استثنائي، يجعله يعتقد في لحظة ما أنه معفى من قوانين البشر.
الإغريق القدماء عرفوا هذه اللعنة مبكرا، ومنحوها اسما رهيبا: «الهوبريس»؛ ذلك السكر الداخلي الذي يجعل المرء، وقد أغوته قوته، يخلط بين الرغبة والحق. في مآسي أسخيلوس وسوفوكليس، لم تكن الكارثة تبدأ بالفعل الفاضح ذاته، بل بفكرة أكثر خفاء: أن صاحب المجد يظن نفسه فوق الحساب. وهكذا تبدأ السقوطات الكبرى دائما. لا بصوت الجريمة، بل بصمت الامتياز. في قصور روما، كان القياصرة يستدعون الشعراء فيما “العبيد” يسكبون النبيذ عند أقدامهم. وفي بغداد العباسية، تحت القباب الذهبية، عاش بعض المغنين في هالة تشبه العبادة السرية. أما الأندلس، فقد عرفت مبكرا أن الصوت الجميل قد يتحوّل إلى سلطة أخطر من السيف. التاريخ كله يبدو كأنه موكب طويل من وجوه معبودة خلطت بين الضوء والحصانة. لكن السؤال يبقى مرعبا: كيف يمكن للفن، الذي ولد كي يسمو بالروح، أن ينحدر مرارا إلى مستنقعات الجسد؟
ربما لأن الفنان يلمس منطقة في الإنسان لا يقترب منها الآخرون إلا في الأحلام. إنه يحرك العاطفة الخام، يفتح الأبواب السرية للرغبة، يجعل الملايين يبكون بصوته، ويرتجفون تحت نظرة، أو يتعرفون إلى أنفسهم داخل أغنية. وهذه قوة خطيرة. خطيرة إلى حدّ مرعب. لأن من يكتشف أنه قادر على السيطرة على المشاعر، قد يتوهم لاحقا أنه قادر على امتلاك الأجساد. المتصوفة المسلمون أدركوا هذا التناقض بحدس عميق. فالرغبة عند بعضهم لم تكن خطيئة بحد ذاتها، بل طاقة كونية، حنينا إلى الوحدة الأولى. غير أن هذه الطاقة، إذا انفصلت عن الأخلاق، تتحول إلى نار تلتهم صاحبها. كان ابن عربي يرى أن الشهوة قد تكون سُلّما نحو المطلق، وقد تصبح في الوقت نفسه هوّة يسقط فيها الإنسان داخل عبادة ذاته.
وربما هنا تكمن مأساة عصرنا الحديثة: لقد تحوّل «الأنا» إلى صناعة. الشهرة لم تعد مجرد إشعاع، بل ماكينة طقسية تصنع أنصاف الآلهة بسرعة المصانع. الشاشات، المنصات، الجماهير الرقمية، المقابلات، الكاميرات، كلها تبني حول الفنان معبدا صغيرا من التصفيق المستمر. وكلما طال بقاؤه داخل هذا المعبد، صار أكثر قابلية لتصديق الوهم الأخطر: أن القوانين وُضعت للآخرين فقط. لكن السؤال الأكثر إيلاما يظل معلّقا كخنجر فوق رأس الحضارة: لماذا تتكرر هذه الحكايات غالبا مع الرجال؟ الجواب لا يسكن البيولوجيا، بل التاريخ. فالسلطة، عبر قرون طويلة، كانت ذكورية البنية: في السياسة، والدين، والفن، والاقتصاد. والخطر الحقيقي لا يولد من الجنس نفسه، بل من التقاء الرغبة بالقوة. حين يعتاد الإنسان أن يطاع، أن يصفّق له، أن تفتح له الأبواب، يصبح أكثر عرضة لتوهّم أن الآخرين موجودون لتلبية نزواته. ولطالما جرى تلميع هذا الوهم تحت أسماء براقة: الفحولة، الكاريزما، العبقرية، السحر.

أما النساء، فعلى الرغم من قدرتهن أيضا على السقوط الأخلاقي، فإن التاريخ نادرا ما منحهن البنية الهائلة ذاتها للهيمنة المطلقة. المشكلة إذن ليست في الجسد الذكوري، بل في هندسة السلطة نفسها. دوستويفسكي كان سيفهم هذا كله بوحشية عبقرية. شخصياته لم تسقط لأنها شريرة فقط، بل لأنها اقتنعت بأنها استثنائية. في رواياته، يبدأ الجحيم حين يظن الإنسان أن موهبته تمنحه حق تجاوز البشر الآخرين. وحين يعتقد الفنان أن تصفيق الجماهير قادر على غسل ظلامه الداخلي، يصبح مستعدا لأفظع الانقسامات النفسية. ثم تأتي اللحظة التراجيدية. يكتشف الجمهور فجأة أن الصوت الذي رافقه في وحدته ربما كان يخفي خلف الستارة عنفا ما. هنا يبدأ التمزق الحديث: هل يمكن للأغنية أن تبقى نقية إذا تلوث صاحبها؟ هل نستطيع فصل الجمال عن صاحبه؟ أم أن الأعمال الفنية تمتصّ، مع الزمن، خطايا مبدعيها كما تمتص الجدران القديمة رائحة الحرائق؟
الإغريق أجابوا بالتطهير: ينبغي للمدينة أن ترى سقوط أبطالها كي تنجو من الغرور. المتصوفة أجابوا بالمجاهدة: لا أحد ينجو من نفسه. أما الروس العظام، فكتبوا الإنسان كأنه ساحة حرب بين الوحش والقديس داخل الجسد الواحد. وربما يحتاج عصرنا أخيرا إلى إجابة أكثر نضجا. لا بإعدام الفن. ولا بعبادة الفنان. بل بفهم بسيط وقاس في آن معا: الموهبة ليست غفرانا. فالفن، في جوهره، كان وعدا برفع الإنسان فوق وحشيته. لكن حين يتحول إلى ممر نحو عبادة الذات، يصبح قصرا مأهولا بالأشباح. تبقى الأضواء مشتعلة، وتبقى الأغاني حيّة، ويستمر التصفيق… غير أن شيئا مقدسا يكون قد انهار في الداخل. حرمة الفن نفسها.
📲 Partager sur WhatsApp
Je confirme.