بقلم الإعلامي حيمري البشير – كوبنهاغن
في خضم النقاشات المتواصلة حول قوانين الجنسية الدنماركية وشروط الحصول عليها، يبرز سؤال أعمق من كل النصوص القانونية والقرارات السياسية: ما معنى الاندماج الحقيقي؟ وهل يكفي أن يعيش الإنسان سنوات طويلة في بلد الهجرة حتى يصبح جزءا من نسيجه الاجتماعي والثقافي؟
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الجنسية، مهما كانت أهميتها القانونية والرمزية، ليست سوى تتويج لمسار طويل من الانتماء والمشاركة والمسؤولية. أما الاندماج فهو الرحلة التي تسبق ذلك التتويج، وهو المعيار الحقيقي الذي تقاس به علاقة الفرد بوطنه الجديد. لقد تغيرت أوروبا خلال العقود الأخيرة، وتغيرت معها نظرة المجتمعات إلى الهجرة. فلم يعد المطلوب من المهاجر أن يكون مجرد عامل يساهم في الاقتصاد أو مقيم يحترم القوانين فحسب، بل أصبح مطلوبا منه أن يكون شريكا فعليا في بناء المجتمع، ومشاركا في صياغة مستقبله، ومدافعا عن قيمه الديمقراطية ومؤسساته.
إن الاندماج ليس التخلي عن الهوية الأصلية، كما يروج البعض، وليس الذوبان الكامل في ثقافة أخرى. الاندماج هو القدرة على الجمع بين الجذور والانفتاح، بين الاعتزاز بالماضي والإيمان بالمستقبل. إنه أن تحتفظ بلغتك وثقافتك وذاكرتك، وفي الوقت نفسه أن تتقن لغة البلد الذي تعيش فيه، وأن تفهم قوانينه، وتحترم قيمه، وتشارك في صناعة مصيره. المجتمعات لا تبنى بالحياد، ولا تتطور بالانعزال. ولذلك فإن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه بعض الجاليات هو الاعتقاد بأن الابتعاد عن الشأن العام يحمي مصالحها. على العكس تماماً، فكل فراغ في المشاركة يملؤه الآخرون، وكل غياب عن صناديق الاقتراع أو النقاشات العامة يتحول إلى ضعف في القدرة على التأثير والدفاع عن الحقوق والمكتسبات.

إن مستقبل المهاجرين في الدنمارك، وفي غيرها من دول الهجرة، لن تحدده الحكومات وحدها، ولن ترسمه الأحزاب السياسية بمفردها. بل سيحدده أيضاً مستوى انخراط المهاجرين أنفسهم في المجتمع، ومدى حضورهم في المدارس والجامعات والنقابات والجمعيات والمؤسسات الديمقراطية. فالمواطنة ليست ورقة تمنح، بل ممارسة يومية تُكتسب. ومن هنا فإن الحديث عن تشديد أو تسهيل شروط الجنسية يجب ألا يحجب النقاش الأهم: كيف نبني جيلا يشعر بأن الدنمارك وطنه كما هي وطن لغيره؟ جيلا لا يعيش على هامش المجتمع، بل في قلبه. جيلا يرى في المشاركة السياسية واجبا مدنيا، وفي النجاح الدراسي والمهني مسؤولية جماعية، وفي احترام القانون تعبيرا عن الانتماء لا عن الخوف من العقاب. لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات القوية هي تلك التي تنجح في تحويل التنوع إلى قوة، والهجرة إلى فرصة، والاختلاف إلى مصدر إثراء. أما المجتمعات التي تفشل في بناء جسور الاندماج فإنها تفتح الباب أمام الانقسام والتوتر وسوء الفهم المتبادل.

الاندماج، في جوهره، ليس ملفا إداريا في وزارة، ولا بنداً في قانون الجنسية، ولا رقما في إحصاءات الهجرة. الاندماج هو شعور الإنسان بأنه جزء من المكان الذي يعيش فيه، وأن نجاح هذا البلد من نجاحه، وأن مستقبله مرتبط بمستقبل أبنائه ومجتمعه الجديد. لهذا فإن المعركة الحقيقية ليست معركة الحصول على جواز سفر، بل معركة بناء انتماء راسخ وعميق. فالجنسية قد تمنحها الدولة بقرار، أما الانتماء فلا يمنحه إلا العمل والمشاركة والالتزام والإيمان بأن الوطن ليس فقط المكان الذي ولدت فيه، بل أيضا المكان الذي اخترت أن تبني فيه حياتك ومستقبل أبنائك.
📲 Partager sur WhatsApp