بقلم زكية لعروسي, باريس
في مشهد يبدو للوهلة الأولى إداريا بسيطا -إعادة تمثالين صغيرين إلى خزائن الدولة- تنفتح فجأة بوابة إلى تاريخ طويل من الرموز والهدايا، حيث لا تكون الأشياء أبدا مجرد أشياء. قرار دومينيك دوفيلبان إعادة تماثيل نابليون إلى وزارة الخارجية الفرنسية هي لحظة كثيفة بالدلالات، تتقاطع فيها الأخلاق السياسية مع أنثروبولوجيا العطاء، ومع ذاكرة إنسانية قديمة ترى في الهدية أكثر من مجرد تبادل.
في التراث العربي، لم تكن الهدية يوما بريئة. كان يقال عنها عبارة: “الهدية تذهب بالضغائن”، لكنها أيضا كانت تصنع ضغائن جديدة حين تقرأ كإشارة خفية للهيمنة أو الاستمالة. في مجالس الخلفاء، كما في مضارب البدو، كانت الهدية اختبارا مزدوجا: كرم معلن، ونفوذ مستتر

وفي حضارات أخرى-من بلاطات الصين الإمبراطورية إلى قصور أوروبا الوسيطة- كانت الهدايا أدوات دبلوماسية دقيقة، تقاس قيمتها لا بوزنها، بل بما تحمله من رسائل. كما أشار مارسيل مويس في نظريته الشهيرة عن”الهبة”، فإن العطاء ليس فعلا حرا، بل شبكة التزامات غير مرئية: أن تعطي، أن تقبل، أن تردّ. حين تكون الهدية تمثالا لـنابوليون بونابارت، فإننا لا نتحدث عن قطعة فنية فقط، بل عن شحنة تاريخية كاملة. نابوليون هنا ليس رجلا، إنّما استعارة: الدولة، المجد، المركزية، وربما أيضا الإغراء الدائم بالسلطة. إعادة هذه التماثيل ليست إذا مجرد تصحيح إداري…هي إعادة “تحييد” لرمز. كأن الدولة تقول: التاريخ لا يهدى، والذاكرة لا تُخصخص.

في السياق المعاصر، حيث تفكَّك كل علاقة تحت مجهر الشفافية، تصبح الهدية عبئا. ما كان في الماضي علامة ثقة، قد يقرأ اليوم كاشتباه. وهنا يتحول السياسي إلى كائن يسير على حافة دقيقة: كيف يقبل دون أن يدان؟ كيف يرفض دون أن يسيء؟ قرار إعادة التماثيل يعكس هذا التحول العميق: من ثقافة “الهدايا المتبادلة” إلى ثقافة “المساءلة”. لكنه يكشف أيضا عن هشاشة التوازن بين الأخلاق والرمزية، بين القانون والتاريخ. لو نظرنا إلى الهدية بعين عجائبية، لبدت ككائن حي:
– تدخل البيت صامتة، لكنها تملأه بالمعاني
– تقدَّم بابتسامة، لكنها تحمل ذاكرة من التوقعات
– تخزَّن كشيء، لكنها تعمل كعلاقة

فهكذا تصبح التماثيل الصغيرة أشبه بكائنات ظلت تراقب بصمت، حتى جاء زمن لم يعد يحتمل صمتها. إعادة دومينيك دوفيلبان بان للهدايا ليست نهاية القصة، بل بداية سؤال أوسع: هل يمكن للسياسة الحديثة أن تتحرر تماما من سحر الرموز؟ ربما لا. لأن العالم، مهما ادّعى العقلانية، لا يزال يدار جزئيا عبر الإشارات، عبر الأشياء الصغيرة التي تحمل معاني كبيرة. لكن ما يتغير هو طريقة التعامل معها: من الاحتفاظ الصامت إلى الإرجاع العلني، من الغموض إلى الشفافية. وهكذا، في زمن تتعرّى فيه العلاقات، لا تعود الهدية مجرد فعل كرم, إنّما اختبارا أخلاقيا… ومرآة تعكس ليس فقط من أعطاها، بل أيضا من احتفظ بها…أو قرر أخيرا أن يعيدها.
📲 Partager sur WhatsApp