المغرب بين ضرورات السّيادة وتحدّيات الهجرة

بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاغن – الدَّنمارك

على امتداد السّنوات الماضية، انتهج المغرب سياسة إفريقيّة منفتحة قائمة على تعزيز التّعاون جنوب-جنوب، وترسيخ شراكات استراتيجيّة مع العديد من الدُّول الإفريقيّة في المجالات الاقتصاديّة والثّقافيّة والتّعليميّة والإنسانيّة. وقد أثمرت هذه السّياسة عن حضور متزايد للطّلبة والباحثين والمهنيّين الأفارقة بالمملكة، في إطار رؤية جعلت من المغرب جسرا للتّواصل والتّكامل بين إفريقيا وأوروبا. غير أنّ هذا الانفتاح، الَّذي حظي بإشادة واسعة على المستوى القارِّي والدّولي، أفرز في المقابل تحدِّيات متنامية مرتبطة بتدفّقات الهجرة غير النِّظاميّة، وتحوُّل جزءٍ من التُّراب المغربي إلى منطقة عبور أو استقرار مؤقَّت لآلاف المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصّحراء، ممّن يسعون إلى الوصول إلى الضفّة الأوروبيّة عبر مدينتي سبتة ومليلية أو عبر المسالك البحريّة غير النّظاميّة.

وقد ازدادت حدَّة هذا النِّقاش بعد الأحداث الَّتي شهدتها بعض المدن المغربيَّة خلال السَّنوات الأخيرة، وما رافقها من مظاهر فوضى وأعمال شغب وتجاوزات قانونيَّة أثارت مخاوف شريحة واسعة من المواطنين، خاصَّة في مدن مثل الرِّباط والدَّار البيضاء وطنجة. كما أنَّ بعض الأحداث الرِّياضيَّة والجماهيريَّة الَّتي شهدتها المملكة أعادت إلى الواجهة تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة السِّياسات الحاليَّة على تحقيق التَّوازن بين الالتزامات الإنسانيَّة للمغرب ومتطلَّبات الأمن والاستقرار وحماية النِّظام العام. وإذا كان المغرب قد أثبت، بشهادة العديد من وسائل الإعلام والهيئات الدَّوليَّة، قدرته العالية على تنظيم التَّظاهرات الرِّياضيَّة الكبرى وفق أعلى المعايير العالميَّة من حيث البنية التحتيّة والأمن والخدمات الفندقيّة ووسائل النّقل، فإنّ ذلك لم يمنعه من التَّعرُّض لحملات انتقاد واستهداف تقودها أحيانا جهات معروفة بمواقفها العدائيَّة تجاه المملكة، وتسعى إلى استغلال مختلف المناسبات الدوليّة للنّيل من صورة المغرب وإنجازاته. غير أنَّ مواجهة هذه الحملات لا ينبغي أن تحجب النقاش الحقيقي المرتبط بملف الهجرة غير النّظاميّة وتداعياته الاجتماعيَّة والاقتصاديّة والأمنيّة. فالدّولة مطالبة اليوم بإجراء تقييم شامل وواقعيّ للسياسات المعتمدة في هذا المجال، بعيدا عن المقاربات الظَّرفية أو الحلول المؤقّتة الَّتي لا تعالج جذور المشكلة.

كما يحقّ للمغاربة التّساؤل حول جدوى بعض التّرتيبات والاتّفاقيات المتعلّقة بتدبير الهجرة، ومدى انسجامها مع المصالح الوطنيَّة للمملكة. فالمطلوب ليس التّخلِّي عن الالتزامات الإنسانيَّة أو التَّنصل من المسؤوليات الدَّولية، وإنَّما اعتماد سياسة أكثر صرامة ووضوحا تجاه الهجرة غير الشّرعية، تقوم على احترام القانون، وترحيل كلّ من يوجد في وضعيّة غير قانونيّة وفق المساطر القانونيّة والاتِّفاقيّات الثنائيّة المعمول بها، مع تعزيز التّعاون مع دول المنشأ لمعالجة الأسباب الحقيقيَّة للهجرة. إنَّ الحفاظ على أمن المواطنين واستقرار المدن المغربيَّة وصون المكتسبات التّنمويّة التي حقّقتها المملكة يجب أن يظلّ أولويّة لا تقبل المساومة. وفي الوقت نفسه، فإنّ أيّ مقاربة ناجحة لهذا الملفّ ينبغي أن تقوم على التّمييز بين المهاجرين الَّذين يحترمون قوانين البلاد ويساهمون إيجابيًّا في المجتمع، وبين من يتورَّطون في أعمال الفوضى والعنف أو يشكّلون تهديدا للنِّظام العام. فالمغرب دولة ذات سيادة، ومن حق أن يضع سياسات الهجرة الَّتي تنسجم مع مصالحه الوطنية العليا، وأن يفرض احترام قوانينه على الجميع دون استثناء، بما يضمن التّوازن بين واجبات التّضامن الإنساني ومتطلّبات الأمن والاستقرار والتّنمية المستدامة.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “المغرب بين ضرورات السّيادة وتحدّيات الهجرة

  1. لكل ترياق أعراض جانبية مضرة. هو بالضبط ما وقع للمغرب مع ابناء افريقيا. وملتقيات طرق المدن، والمحطات الطرقية وغايات الشمال….تتكلم نوعية هذه الضيافة.
    لذا من الملزوم تخفيف هذه السياسة من التعاطف والاحتكاك للقانون الذي يضمن المجتمع حرمته والدولة هيبتها….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *