بقلم زكية لعروسي, باريس
قال المفتش بْوارُو ذات مساء وهو يربّت على ذراته الرمادية: “هناك ألغاز لا تحلّ لأن الجريمة فيها ليست جريمة، بل عادة”. ومنذ سنوات، وأنا أظن أن أعظم لغز إداري في هذا العصر ليس اختفاء وثيقة من درج مغبرّ، ولا ضياع ختم رسميّ في دهاليز الأرشيف، بل اختفاء الجواب نفسه. نعم، الجواب. ذلك الكائن الأسطوري الذي نسمع عنه كما نسمع عن العنقاء والغول وحصان البحر ذي الأجنحة. تكتب رسالة إلى مسؤول، فتسافر كلماتك مهندمة في بدلتها الرسمية، تحمل التحية والاحترام والأسئلة المشروعة، وتطرق باب البريد الإلكتروني كما يطرق مسافر باب خانٍ في ليلة شتوية. ثم… لا شيء. صمت.
صمت كثيف إلى درجة أنك تسمع حفيف الفراغ وهو يتمدد بينك وبين الشاشة. فتبدأ الأسئلة بالزحف كالنمل الأسود فوق ما تبقى من ذراتك الرمادية: هل وصلت الرسالة؟ هل قرأها أحد؟ هل ابتلعها خادم إلكتروني جائع؟ هل سقطت في حفرة سوداء بين الإدارة والمواطن؟ أم أن هناك مقبرة سرية للرسائل، ترقد فيها آلاف الاستفسارات والشكايات والمقترحات، متجاورة كرفات ورقية تنتظر يوم البعث الإداري؟ المسؤول، كما تعلمنا في كتب التربية المدنية، خادمٌ للشأن العام. والمواطن ليس متسولا على الباب، بل صاحب حقّ في السؤال والاستفسار والمتابعة. هكذا تقول النصوص والقوانين والخطب والندوات واللافتات المعلقة في الممرات. لكن الواقع يبدو أحيانا كأنّه كتب بقلم ساخر من تلامذة الجاحظ أو أحد أقارب غوغول البعيدين. في الواقع، حين تريد الوصول إلى مسؤول، لا يسألك غالبا: ما موضوعك؟ بل يسألك سؤالا آخر أكثر عمقا من الفلسفة الوجودية كلها: “ومن طرف من جئت؟” هنا يبدأ الامتحان الحقيقي. كأنّ الرسالة لا تحتاج إلى فكرة بل إلى نسب. لا تحتاج إلى حجة بل إلى شفيع. لا تحتاج إلى منطق بل إلى ما يسميه الفرنسيون piston، وما نسميه نحن بأسماء عديدة تبدأ بالمعرفة وتنتهي بالوساطة ولا تمر دائما عبر الكفاءة. فتكتشف أن الرسالة وحدها مواطن بسيط لا يملك حق المرور. أما الرسالة المصحوبة باسم نافذ، فهي تحمل جوازا دبلوماسيا. الأولى تنتظر في قاعة الانتظار الأبدية. والثانية تعبر الحدود دون تفتيش.
ويا للمفارقة! في زمن تستطيع فيه أن تراسل شركة في أقصى الأرض فتجيبك خلال ساعات، وأن تسأل آلة ذكية فترد عليك في ثوان, يصبح الوصول إلى بعض المسؤولين أشبه بمحاولة مراسلة كوكب خارج المجموعة الشمسية. وكأن المسؤول، بعد أن جلس على الكرسي، لم يعد شخصا من لحم ودم، بل تحول إلى ظاهرة فلكية. يرى ولا يلمس. يذكر ولا يسأل. ترفع إليه التقارير كما ترفع القرابين إلى الآلهة القديمة. أما الجواب، فمسألة أخرى. وقد يخطر ببال المرء سؤال أكثر إزعاجا من السؤال الأول: إذا كان المسؤول لا يجيب على الرسائل، فكيف يعرف ما الذي يعيشه الناس؟ هل توجد قناة سرية لا نعرفها؟ هل تهبط هموم المواطنين عبر أنابيب خاصة إلى المكاتب المكيفة؟ أم أن الإدارة، في بعض الأحيان، تشبه قصرا ضخما أغلقت نوافذه بإحكام حتى لم يعد يسمع ما يجري في الشارع؟ لقد أمضينا سنوات نسمع عن “إدارة القرب”. عبارة جميلة. لامعة. أنيسة للأذن. لكن المواطن ما زال يتساءل: أين هذا القرب؟ هل هو قرب جغرافي فقط؟ أم قرب إنساني أيضا؟
لأن الإدارة قد تكون على بعد مائة متر من بيتك، ومع ذلك تفصلك عنها مسافة ضوئية من الصمت. والهاتف يرنّ بلا جواب. والرسالة ترسل بلا أثر. والبريد الإلكتروني يتحول إلى زجاجة تلقى في محيط بلا شواطئ. أما الجاليات في المهجر، فقصتها أكثر طرافة وحزنا. فهناك مواطنون يراسلون الجهات التي يفترض أنّها خلقت أصلا لخدمتهم والإنصات لانشغالاتهم. يسألون. يقترحون. يشتكون. يبحثون عن توضيح. ثم ينتظرون. وينتظرون. وينتظرون أكثر مما انتظر أهل الكهف موعد الاستيقاظ. ولا يأتي الردّ. فتنشأ الحيرة الكبرى: إذا كان التواصل لا يحدث، فما معنى التمثيل؟ وإذا كان السؤال لا يجد أذنا، فما معنى المسؤولية؟ وإذا كان المواطن يحتاج دائما إلى “معارف” كي يصل إلى من يفترض أنه مسؤول عنه، فلماذا نسمي العلاقة بينهما علاقة مؤسسات؟
إنّ السؤال هنا ليس عن شخص بعينه، ولا عن إدارة بعينها، بل عن ثقافة كاملة. ثقافة تجعل الجواب فضلا لا واجبا. وتجعل الردّ استثناء لا قاعدة. وتجعل المواطن يشعر أحيانا أنه يكتب إلى جدار مطليّ بلون البريد الإلكتروني. ويبقى السؤال معلقا في الهواء كفانوس وحيد في ليل طويل: كيف يختار المسؤول؟ هل يختار لأنه يسمع الناس أم لأنّه يجيد الاختباء منهم؟ هل يختار ليكون جسرا أم ليصبح بوابة مغلقة؟ هل المنصب تكليف أم حصن؟ وهل قيمة المسؤول بعدد المكاتب التي تحيط به، أم بعدد المواطنين الذين يستطيعون الوصول إليه دون وساطة؟ أسئلة قد لا تجد جوابا سريعا. لكن المؤكّد أن الإدارة التي لا تجيب تترك فراغا. والفراغ لا يبقى فراغا طويلا. سرعان ما تملؤه الإشاعات والوساطات واليأس وانعدام الثقة. ولهذا ربما لا يكون أعظم إنجاز للمسؤول بناء مشروع ضخم أو إلقاء خطاب رنّان، بل القيام بفعل بسيط يكاد يبدو ثوريا في بعض الأماكن: أن يردّ. أن يقول للمواطن: وصلتنا رسالتك. سمعناك. نفهم سؤالك. وهذا جوابنا. فربما كانت الحضارة، في جوهرها العميق، لا تبدأ من القصور ولا من المراسيم، بل من تلك الجملة الصغيرة التي ينتظرها المواطن منذ زمن: “شكرا لرسالتكم… ونعتذر عن التأخر في الرد.”.
📲 Partager sur WhatsApp