بقلم زكية لعروسي, باريس
هناك لحظات في التاريخ لا تشبه الأحداث بقدر ما تشبه الأحلام التي تستيقظ قبل أن تكتمل. وما جرى حول مضيق هرمز ليس اتفاقاً بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، بل هو أشبه بجسر علّق فوق هاوية قبل أن يعرف البناؤون إلى أي ضفة يقود. فبينما كانت الأقلام تجف فوق بروتوكولات التهدئة، كانت السياسة الدولية تكشف مرة أخرى عن حقيقتها القديمة: ليس المهم أن تتوقف الحرب، بل أن تعرف ماذا سيفعل المنتصرون والمهزومون بالصمت الذي يليها. لقد ألغيت اللقاءات، وتعثرت المواعيد، وتراجع المسؤولون عن رحلاتهم قبل أن تغادر الطائرات المدارج. وكأن الدبلوماسية العالمية تحولت إلى مسرح من المرايا، يرى فيه كل طرف صورته الخاصة لا صورة الآخرين. وما يلفت الانتباه ليس فقط هشاشة المشهد، بل الشخصية التي خرجت منه أكثر بروزا: جاي دي فانس. الرجل الذي حمل على كتفيه ذاكرة العراق وغبارها، والذي بنى جزءا من خطابه السياسي على الشك في المغامرات العسكرية الخارجية، أصبح فجأة المدافع الأول عن اتفاق يفترض أنه يطوي صفحة مواجهة كادت تشعل الخليج كله.
هنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل الفلسفي أكثر من التعليق السياسي. فالتاريخ يحب السخرية من أفكار البشر. الجنرال الذي عاش الحرب يصبح داعية سلام، بينما يتحول أصحاب الخطابات الهادئة إلى حراس للتشدد. وقد كان الفيلسوف اليوناني هيراقليطس محقاً حين قال إن النهر ذاته لا يمكن عبوره مرتين؛ لأن البشر الذين يعبرونه يتغيرون أسرع من المياه نفسها. إن ما نراه اليوم ليس انتصارا لإيران ولا للولايات المتحدة، بل انتصارا لمنطق جديد في العلاقات الدولية: منطق الإعلان قبل البناء، والصورة قبل المؤسسة، والعنوان قبل النص. لقد أصبحت السياسة الكبرى في القرن الحادي والعشرين تشبه أسواق البورصة؛ ترتفع قيمة الحدث بمجرد الإعلان عنه، أما تفاصيله فتُترك لاحقاً لمهندسي الأزمات.
ولعل السؤال الحقيقي لا يتعلق بمضيق هرمز، بل بواشنطن نفسها. فمن يحكم السياسة الخارجية الأمريكية فعلا؟ هل هي المؤسسات التي راكمت خبرة االدّول، أم المزاج السياسي الذي يتحرك بسرعة منصات التواصل؟ في هذا المشهد يظهر ماركو روبيو كصوت الدولة العميقة بمعناها المؤسساتي لا التآمري؛ رجل يعرف أن الدّول لا تسقط بسبب أعدائها فقط، بل بسبب استعجالها في إعلان انتصارات لم تنضج بعد. وكما كانت أمي خيرة تقول في إحدى أمثالها البسيطة التي تحمل حكمة القرى أكثر مما تحمل الجامعات من نظريات: “الخبز الذي يخرج من الفرّان قبل أوانه يبقى عجينا مهما كان شكله جميلا.” وهذا بالضبط ما يهدد هذه الهدنة. فقد تكون جميلة في صورتها، براقة في خطابها، لكنها ما زالت تفتقر إلى نار السياسة البطيئة التي تحول الاتفاقات إلى وقائع تاريخية.
ومن زاوية جيوستراتيجية أوسع، لا يمكن فهم ما يجري دون إدراك أن هرمز ليس مجرد مضيق. إنه شريان رمزي للاقتصاد العالمي. منذ أن كانت قوافل التوابل تعبر البحار، مروراً بالإمبراطورية البريطانية، وصولاً إلى أساطيل القرن الحادي والعشرين، ظل الخليج مرآة لتوازن القوى العالمي. ولذلك فإن أي تهدئة فيه ليست حدثا إقليميا، بل اختباراً لمستقبل النظام الدولي نفسه. في هذا السياق تبرز فرنسا بطريقة أكثر تعقيداً مما يبدو للوهلة الأولى. فباريس ليست مجرد مراقب أوروبي. إنها قوة تحاول منذ سنوات إعادة تعريف دورها بين واشنطن وبكين وموسكو. الرئيس إيمانويل ماكرون يدرك أن أوروبا التي تكتفي بالتعليق على الأزمات تتحول تدريجيا إلى متحف جيوسياسي. ولهذا سعت فرنسا باستمرار إلى بناء مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي”، أي القدرة على التفكير والعمل خارج الاصطفافات التلقائية.
أما بريجيت ماكرون، فإن حضورها يتجاوز الصورة البروتوكولية التي يحب الإعلام اختزالها فيها. ففي الجمهوريات الحديثة، تلعب الرمزية دوراً لا يقل أهمية عن القرارات. إنها تمثل وجهاً من وجوه القوة الناعمة الفرنسية، تلك القوة التي تجعل الثقافة والأدب واللغة جزءاً من السياسة الخارجية. وإذا كانت الدبلوماسية التقليدية تتحرك عبر السفارات، فإن القوة الناعمة تتحرك عبر المخيلة. وفرنسا تعرف منذ أيام فولتير وديغول أن النفوذ يبدأ أحيانا من القدرة على صياغة الرواية قبل القدرة على تحريك الجيوش. ومن هنا يمكن فهم الرهان الفرنسي. فباريس لا تريد فقط استقرار الخليج، بل تريد أن تكون شريكا في كتابة “اليوم التالي”. لأن المشكلة الحقيقية في كل الحروب الحديثة ليست وقف إطلاق النار، بل هندسة ما بعده. لقد ربحت القوى الكبرى معارك كثيرة عبر التاريخ، لكنها خسرت السلام الذي تلاها. حدث ذلك في العراق، وأفغانستان، وليبيا، وفي أماكن لا تُحصى من خرائط القرن الماضي.

ولو كتب أحد كبار الروائيين الروس هذا المشهد، ربما لجعل من هرمز شخصية روائية عجوزا تقف عند مفترق القارات، تراقب السفن كما يراقب حكيم متعب مصائر البشر. كانت ستقول لهم إن البحار لا تخاف العواصف بقدر ما تخاف الغموض، وإن الأمم لا تنهار عندما تخسر حربا، بل عندما تفقد القدرة على تخيل سلام قابل للحياة. ولهذا فإن السيناريو الأخطر ليس انهيار الاتفاق، بل بقاؤه معلقاً في منطقة رمادية؛ لا حرب تنتهي فعلا ولا سلام يولد فعلا. ذلك النوع من الهدنات الذي يشبه أبواب القصور المهجورة: مفتوحة ظاهريا، لكنها لا تقود إلى أي غرفة مأهولة. إن العالم يقف اليوم أمام لحظة اختبار عميقة. فإذا استطاعت المؤسسات الأمريكية فرض منطق الدولة على منطق اللحظة، وإذا تمكنت أوروبا وفرنسا من لعب دور الضامن لا المتفرج، وإذا أدركت إيران والولايات المتحدة أن الأمن لا يشترى بالشعارات بل يبنى بالتراكم والصبر، فقد يتحول هذا الاتفاق إلى بداية فصل جديد. أما إذا بقي مجرد عنوان كبير يبحث عن قصة تبرره، فسيبقى هرمز مفتوحا للملاحة ومغلقا على المستقبل.
📲 Partager sur WhatsApp