(ترجمة زكية لعروسي)بقلم الصحافية يوليا مويس – رومانيا
(en collaboration avec focusmediterraneo.it, www.focusmediterraneo.it)
في لحظة سياسية دقيقة تتجاوز حدود البوسنة والهرسك إلى مجمل معادلات الاستقرار في البلقان، أعلنت الولايات المتحدة أنها بصدد إعادة تقييم حضورها ودورها ضمن آليات الإشراف الدولي في البوسنة، وذلك عقب فشل أعضاء مجلس تنفيذ السلام في التوافق على تعيين خلفٍ جديد للممثل السامي الدولي، المنصب الذي شكّل طوال ثلاثة عقود أحد الأعمدة الرئيسية للنظام الذي أرساه اتفاق دايتون عام 1995. ولا تبدو هذه الأزمة مجرد خلاف إجرائي حول اسم المرشح المقبل، بل تعكس تبايناً أعمق في الرؤى بين القوى الغربية بشأن مستقبل البوسنة وآليات إدارة توازناتها السياسية والعرقية المعقدة. فواشنطن، التي كانت لعقود الراعي الأكثر نفوذاً لمسار السلام وإعادة بناء المؤسسات في الدولة البلقانية، وجّهت انتقادا غير مسبوق لما وصفته بحالة التردد والعجز عن اتخاذ القرار داخل الأطر الدولية المعنية بالملف البوسني.
وجاءت التصريحات الأمريكية عقب اجتماع لجنة التوجيه التابعة لمجلس تنفيذ السلام في سراييفو، حيث أخفق المشاركون في التوصل إلى توافق حول الشخصية التي ستخلف الممثل السامي السابق، كرستيان شميت، الذي أعلن استقالته بعد سنوات اتسمت بتحديات سياسية متزايدة وانقسامات داخلية حادة. ويكتسب منصب الممثل السامي أهمية استثنائية في المشهد البوسني، إذ يتمتع بصلاحيات واسعة تسمح له بفرض تشريعات وإقالة مسؤولين ينظر إليهم على أنهم يعرقلون تنفيذ اتفاق السلام. ومنذ إنشاء هذا المنصب بموجب اتفاقية دايتون للسلام، شكّل وجوده ضمانة سياسية وأمنية للحفاظ على التوازن الهش الذي أنهى إحدى أكثر الحروب دموية في أوروبا المعاصرة.

غير أن التطورات الأخيرة توحي بأن مرحلة جديدة قد تكون في طور التشكل. فالإدارة الأمريكية تبدو أقل حماسة للاستمرار في نموذج الوصاية الدولية التقليدي، وأكثر ميلاً إلى مقاربة تركز على الشراكات الاقتصادية ومشروعات الطاقة والبنى التحتية، في انسجام مع تحولات أوسع تشهدها السياسة الخارجية الأمريكية في عدد من المناطق الاستراتيجية. ومن هذا المنظور، لا يقتصر الخلاف الحالي على مستقبل منصب الممثل السامي، بل يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة النظام الدولي الذي حكم البوسنة منذ انتهاء الحرب: هل ما زالت أدوات ما بعد دايتون قادرة على إدارة التحديات الراهنة؟ وهل تستطيع أوروبا الاضطلاع بدور أكبر في ضمان الاستقرار الإقليمي إذا قررت واشنطن تقليص انخراطها المباشر؟ إن البوسنة والهرسك تقف اليوم عند مفترق طرق سياسي بالغ الحساسية. فبين إرث الحرب وتعقيدات الحاضر وطموحات الاندماج الأوروبي، تبدو البلاد بحاجة إلى توافق دولي جديد يضمن استمرارية الاستقرار ويحول دون عودة الاستقطابات التي لطالما هددت وحدتها ومؤسساتها. وفي غياب هذا التوافق، قد تتحول أزمة تعيين مسؤول دولي إلى مؤشر أوسع على إعادة رسم موازين النفوذ في البلقان خلال السنوات المقبلة.
📲 Partager sur WhatsApp