حين ترتدي الانتهاكات بذلة الطبيب

بقلم زكية لعروسي, باريس

ليست كل الجرائم متشابهة. فثمة جرائم ترتكب ضدّ المال، وأخرى ضد الممتلكات، وأخرى ضدّ القوانين. لكن هناك نوعا أكثر ظلمة من الانتهاكات: ذلك الذي يقع داخل مساحة الثقة. عندما يتحول المكان الذي يفترض أن يخفف الألم إلى مصدر له، لا يعود الأمر مجرد قضية جنائية أو مهنية. إنه زلزال أخلاقي يمس إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها المجتمع. فالإنسان حين يدخل عيادة طبيب أو معالج أو ممارس صحي، لا يدخلها كما يدخل متجرا أو إدارة أو مؤسسة عادية. إنّه يدخلها مجردا من كثير من دفاعاته. يدخلها محملا بالضعف. بالألم. بالقلق. وبحاجة عميقة إلى الاطمئنان. وهنا تبدأ حساسية العلاقة العلاجية.

في الأساطير القديمة كان المعالجون أقرب إلى الكهنة. وفي الحضارة اليونانية ارتبط الطب باسم أبقراط الذي أصبحت قسمه الأخلاقي مرجعا رمزيا عبر القرون. وفي التراث العربي الإسلامي لم يكن الطبيب مجرد صاحب معرفة تقنية، بل كان ينظر إليه بوصفه مؤتمنا على حياة الإنسان وكرامته معا. وتزخر مؤلفات ابن سينا والرازي بإشارات إلى أخلاق المهنة بقدر ما تزخر بالمعرفة الطبية. كان السؤال دائما واحدا: كيف يمكن منح شخص سلطة الاقتراب من الجسد دون أن تتحول هذه السلطة إلى خطر؟

إن الجسد ليس مجرد مادة بيولوجية. الجسد هو أكثر أرشيفات الإنسان خصوصية. فيه تسكن ذكرياته. ومخاوفه. وصورته عن نفسه. وشعوره بالأمان. ولذلك فإن لمس الجسد داخل السياق العلاجي لا يشبه أي تواصل آخر. إنه فعل محاط بسياج كثيف من الثقة والضوابط والأخلاقيات. ولهذا السبب تحديدا تكون الصدمة مضاعفة عندما يقال إن هذه الحدود قد انتهكت. اللافت في مثل هذه القضايا ليس فقط الاتهامات نفسها، بل اللغة التي تستخدم أحيانا في تبريرها. فكلمة “المبالغة” أو “الخطأ” أو “سوء الفهم” أو “الارتباك” تبدو أحيانا كأنّها تحاول اختزال أحداث معقدة ومؤلمة إلى مجرد خلل تقني. لكن العلاقة بين المعالج والمريض ليست علاقة تقنية فقط. إنها علاقة قوة أيضا. وكل علاقة قوة تفرض مسؤولية إضافية على الطرف الأقوى.

هنا تبرز مسألة فلسفية قديمة. منذ أفلاطون وأرسطو، ثم في التراث العربي والفلسفة الحديثة، كان السؤال يتكرر بأشكال مختلفة: ما الذي يمنع صاحب السلطة من إساءة استخدامها؟ القانون؟ الأخلاق؟ التربية؟ الضمير؟ أم الخوف من العقاب؟ لا توجد إجابة واحدة. لكن التاريخ يعلمنا أن المعرفة وحدها لا تكفي. فقد يكون الإنسان عالما ومتعلما ومتمرسا في مهنته، ومع ذلك يعجز عن ضبط حدود سلطته. إن أخطر أنواع السلطة ليست السلطة العسكرية أو السياسية فقط. بل السلطة التي تتخفى داخل الثقة. المعلم يمتلك سلطة. والقاضي يمتلك سلطة. والصحافي يمتلك سلطة. والطبيب أو المعالج يمتلك سلطة من نوع خاص جدا. لأن المريض يأتي إليه وهو في حالة هشاشة. والهشاشة تولد اعتمادا. والاعتماد يخلق مسؤولية استثنائية.

في بعض الأمثال القديمة نجد تحذيرا متكررا من خيانة الأمانة. وكانت الخيانة تعد أكثر قبحا عندما تأتي ممن أوكلت إليه الحماية. فاللّص يسرق ما لا يملكه. أما خائن الأمانة فيستعمل ما منح له أصلا من أجل الحماية. ولهذا كانت المجتمعات عبر التاريخ تنظر إلى خيانة الثقة باعتبارها من أكثر الأفعال إرباكا للضمير الجماعي. لكن ينبغي أيضا الحذر من الوقوع في خطأ معاكس. فالمجتمعات العاقلة لا تبني أحكامها على الانفعالات وحدها. ولا تحوّل الاتهامات الفردية إلى أحكام عامة على مهنة بأكملها. فالطب والعلاج والتأهيل الصحي من أكثر المهن التي قدمت للبشرية خيرا وإنقاذا للحياة وتخفيفا للآلام. والغالبية الساحقة من العاملين فيها يمارسون أعمالهم وفق معايير أخلاقية صارمة. إن قوة أي مجتمع لا تظهر فقط في قدرته على محاسبة من يسيء استخدام موقعه، بل أيضا في قدرته على حماية المؤسسات الضرورية من التعميمات الجائرة.

ومع ذلك يبقى السؤال المؤلم قائما: كيف يمكن لإنسان اختار مهنة هدفها تخفيف الألم أن يتحول، إن ثبتت عليه الأفعال، إلى مصدر له؟ ربما لأن المعرفة لا تضمن الحكمة. ولأن المهارة لا تضمن الأخلاق. ولأن الحصول على السلطة لا يعني دائما القدرة على حملها بأمانة. وربما تكشف هذه القضية عن أزمة أوسع من حدود قاعة المحكمة. إنها تذكرنا بأن الحضارة ليست مجرد تقدم علمي. فالبشر عرفوا الطب قبل أن يعرفوا حقوق الإنسان. وعرفوا الجراحة قبل أن يعرفوا معنى الموافقة الحرة والواعية. إن التقدم الحقيقي ليس هو فقط قدرتنا على علاج الأجساد.إنّما أيضا قدرتنا على حماية كرامتها. فالسّؤال الأعمق ليس متعلقا بشخص واحد أو قضية واحدة. إنه سؤال يخص المجتمع كله: كيف نبني مؤسسات تسمح بالثقة دون أن تسمح بالاستغلال؟ كيف نحمي الضعفاء دون أن نحول الشك إلى قاعدة عامة؟ وكيف نبقي العلاقة العلاجية مساحة أمان لا مساحة خوف؟ تلك هي المعضلة التي تواجه كل حضارة. ولعل معيار رقي المجتمعات لا يكمن في عدد مستشفياتها أو أجهزتها الطبية فقط، بل في قدرتها على ضمان أن اليد التي تقترب من الجسد باسم العلاج تظل دائما وفية للغرض الذي جاءت من أجله: الشفاء، لا الجرح.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *