تركيا…البحر الأسود واختفاء سفينة الصيد

بقلم زكية لعروسي, باريس

في الظاهر، تبدو القصة بسيطة. سفينة صيد تركية تخرج إلى البحر بحثا عن الأسماك، فتعود خبرا عاجلا على شاشات التلفزيون. قتيل، جرحى، وسفينة استقرت في قاع البحر الأسود قرب سواحل القرم. لكنّ السّياسة الدوليّة لا تعرف القصص البسيطة. ففي عالم اليوم، لم يعد ممكنا النظر إلى قارب صيد بوصفه مجرد قارب صيد، كما لم يعد ممكناً النظر إلى البحر بوصفه مجرد مساحة من الماء. كل موجة تحمل معها حسابات استراتيجية. وكل ميناء يخفي خلفه خرائط نفوذ. وكل حادث بحري يوقظ أسئلة أكبر من الحادث نفسه. فماذا يعني أن تغرق سفينة في البحر الأسود؟

السؤال ليس تقنيا. إنّه فلسفي وجيوسياسي في آن واحد. فالبحر الأسود لم يعد منذ سنوات مجرد فضاء بحري يربط الشعوب والتجارة. لقد تحول إلى مسرح تتقاطع فيه طموحات الإمبراطوريات القديمة ومخاوف القوى الصّاعدة وحسابات الحلف الأطلسي وهواجس موسكو وأنقرة وكييف. في هذا البحر الضيق نسبيا، تتزاحم أحلام متناقضة بحجم قارات. وحين تغرق سفينة صغيرة، فإنها تسقط داخل محيط من التوترات المتراكمة. منذ قرون وتركيا تعيش لعنة الموقع. إنها ليست شرقية تماما ولا غربية تماما. ليست آسيوية بالكامل ولا أوروبية بالكامل. تقف مثل جسر عملاق فوق صدع جيولوجي للحضارات. ولذلك فإن كل أزمة في البحر الأسود تتحول بالنسبة لأنقرة إلى اختبار وجودي. كيف تحافظ على علاقاتها مع موسكو؟ كيف تبقى عضوا محوريا في الناتو؟ كيف تحمي مصالحها البحرية دون الانجرار إلى مواجهة لا تريدها؟ إنها معادلة تجعل الدبلوماسية التركية أشبه بمشي طويل فوق حبل مشدود بين جبلين.

في الأساطير اليونانية كان البحر مملكة للآلهة الغاضبة. أما في القرن الحادي والعشرين فقد أصبح مستودعا للرسائل الجيوسياسية. عندما تغرق سفينة صيد، لا يتوقف الخبر عند حدود الخسائر البشرية. تبدأ الأسئلة: هل كان الأمر حادثا؟ أم رسالة؟ أم خطأ عسكريا؟ أم جزءا من لعبة ردع أكبر؟ في زمن الحروب الهجينة لم تعد الوقائع تتحدث بصوت واضح. كل حدث يأتي محاطا بالضباب. وكل ضباب يصبح مادة للتأويل. ثمة مفارقة مؤلمة. فالصياد الذي خرج بحثا عن الرّزق لم يكن يفكر في ميزان القوى العالمي. لم يكن يقرأ تقارير مراكز الدّراسات الاستراتيجية. ولم يكن يحسب احتمالات الصّدام بين القوى الكبرى. لكنه وجد نفسه فجأة داخل رواية كتبها آخرون. هذه هي مأساة الجغرافيا السياسية. الذين يدفعون الثمن غالبا ليسوا الذين يرسمون الخرائط.

ربما لا تكمن أهمية هذه الحادثة في عدد الضحايا أو حجم السفينة. بل في السؤال الذي تطرحه على العالم: هل ما زالت هناك أماكن محايدة؟ هل بقي في الكوكب بحر لا يحمل أعباء الصراعات الدولية؟ هل يستطيع صياد أن يكون مجرد صياد؟ أم أن العالم دخل مرحلة أصبح فيها كل شيء – حتى شبكة صيد مهترئة – جزءا من معادلة استراتيجية كبرى؟ ربما لهذا يبدو البحر الأسود اليوم أشبه بمرآة قاتمة. كل قوة تنظر إليه فترى مخاوفها. وكل سفينة تعبره تحمل فوق سطحها أكثر بكثير من البضائع أو الأسماك. تحمل ثقل عالم فقد القدرة على الفصل بين الحياة اليومية ولعبة الأمم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *