بقلم زكية لعروسي, باريس
في مكان ما من المحيط الهادئ، بعيدًا عن خرائط البشر وحدود الدول وصخب الأسواق، يحدث شيء يشبه الهمس الكوني. لا أحد يسمعه مباشرة، لكن العالم كله يترجم صداه إلى أعاصير وفيضانات وجفاف وحرائق وسماء مضطربة. هناك، فوق مياه استوائية ارتفعت حرارتها إلى مستويات استثنائية، يتشكل شبح قديم يعود كل بضع سنوات ليعيد توزيع الفوضى على الكوكب: إل نينيو. تقديرات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تشير إلى احتمال يبلغ 80% لظهور هذا الحدث المناخي بين يونيو وأغسطس 2026، مع احتمال يفوق 90% لاستمراره حتى أواخر العام. لكن الأرقام، مهما بلغت دقتها، لا تخبرنا إلا بالقشرة الخارجية للقصة. أما جوهر الحكاية فيقع في مكان أعمق بكثير: في العلاقة الملتبسة بين الإنسان والكوكب، بين الحضارة والغلاف الجوي، بين وهم السيطرة وقوة الطبيعة التي لا تزال تكتب قوانينها الخاصة.
علميا، إل نينيو ليس عاصفة ولا إعصارا ولا موجة حر بحد ذاته. إنه تغير دوري في نظام التفاعل بين المحيط والغلاف الجوي في المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ. ترتفع حرارة المياه السطحية شرق الهادئ ووسطه، فتضعف الرّياح التجارية المعتادة، ويتغير مسار الطاقة والرطوبة عبر الكوكب. لكن هذا التعريف العلمي، على دقته، يبدو أحيانًا فقيرًا أمام ضخامة الظاهرة. فإل نينيو أشبه بإعادة ترتيب خفية لشبكة الأعصاب المناخية للأرض. إنه تغيير في نبض القلب الحراري للكوكب. وحين يتغير النبض، تتغير كل الأطراف.

في أماكن تغرق السماء المدن بأمطار لا تنتهي. وفي أماكن أخرى تتحول الأنهار إلى ذكريات. وتتحول الغابات إلى وقود ينتظر شرارة. وتصبح المحاصيل رهينة مزاج الغيوم. كأن الأرض كلها تدخل في حالة إعادة توازن عنيفة. الإنسان يحب كلمة “غضب الطبيعة”. لأنها تمنحه سردية مفهومة. عندما يضرب إعصار مدينة، نقول إن الطبيعة غاضبة. عندما تحترق الغابات، نقول إن الطبيعة تنتقم. لكن الطبيعة لا تغضب بالمعنى البشري. الطبيعة لا تحمل ضغائن. هي لا تعاقب أحدا. إنها فقط تستجيب. تستجيب لقوانين الديناميكا الحرارية. لتدفقات الطاقة. لتوازنات المحيطات والغلاف الجوي. لكن العجيب أن استجابتها قد تبدو للبشر وكأنها غضب أسطوري. فحين تضيف الحضارة الصناعية كميات هائلة من الغازات الدفيئة إلى الغلاف الجوي، فإنها لا تستفز الطبيعة أخلاقيا، بل فيزيائيا. والفيزياء لا تعرف الرحمة.
السؤال الذي يشغل العلماء اليوم ليس فقط: هل سيأتي إل نينيو؟ بل: ماذا يعني إل نينيو في عالم أصبح أكثر سخونة أصلا؟ قبل قرن، كان الكوكب أبرد. أما اليوم فالمحيطات تختزن كميات غير مسبوقة من الحرارة. والغلاف الجوي صار أكثر قدرة على حمل بخار الماء. والأنهار الجليدية تتراجع. وهنا تظهر معضلة القرن. إل نينيو ليس ظاهرة جديدة. لكن المسرح الذي يؤدي عليه عرضه أصبح مختلفا بالكامل. كأن ممثلا قديما عاد إلى خشبة المسرح، ليجد أن الديكور كله قد احترق وتغير. لهذا يخشى العلماء أن تتحول الظواهر الطبيعية الدورية إلى أحداث أكثر تطرّفا وأشد تكلفة بشرية واقتصادية.

من أعظم أوهام الحضارة الحديثة أنها اعتبرت المحيط مجرد مساحة زرقاء بين القارات. لكن المحيط هو الأرشيف الحراري للكوكب. إنه الذاكرة التي تحتفظ بكل فائض الطاقة الذي نضخه في النظام المناخي. أكثر من 90% من الحرارة الزائدة الناتجة عن الاحترار العالمي امتصتها المحيطات. وحين يسخن المحيط، لا يبقى الأمر محصورا في الأعماق. فالمياه الدافئة تتحول إلى سحب. والسحب إلى عواصف. والعواصف إلى وقائع سياسية واقتصادية واجتماعية. إن ما نسميه “الطقس” ليس سوى الرسائل التي يرسلها المحيط إلى اليابسة. هنا تبدأ الأسئلة التي تتجاوز العلم دون أن تناقضه. هل الأرض مجرد صخرة تدور حول الشمس؟ أم أنها نظام معقد يقترب في سلوكه من خصائص الكائن الحي؟ فرضية “غايا” التي طرحها بعض المفكرين والعلماء تقترح أن الكوكب يعمل كنظام ذاتي التنظيم يحافظ على شروط استمراريته. ليست الأرض واعية بالمعنى البشري. لكنها تمتلك شبكات تغذية راجعة هائلة تجعلها تستجيب للاختلالات. في هذا السياق يبدو إل نينيو أشبه بلغة من لغات الكوكب. ليس عقابا. وليس رسالة أخلاقية. إنّما تعبيرا عن ديناميكيات عميقة تتجاوز رغبات البشر وخططهم الاقتصادية.
لم يمتلك الإنسان يوما قدرا من المعرفة العلمية كما يمتلك اليوم. نستطيع رؤية الأعاصير من الفضاء. ونمذجة المحيطات بالحواسيب العملاقة. وتوقع تغيرات المناخ قبل أشهر. لكنّنا في الوقت نفسه نواصل ضخ المزيد من الكربون إلى الغلاف الجوي. إنها مفارقة العصر. نحن أكثر الأنواع فهما للمشكلة. وأقلها قدرة على التصرف بحجم ذلك الفهم. كأن الحضارة أصبحت عملاقا معرفيا وقزما إراديا. ربما لا تكمن أهمية إل نينيو في الأمطار أو الجفاف فقط. بل في الأسئلة التي يفرضها علينا: هل ما زلنا ننظر إلى الطبيعة كشيء خارجي عنا، رغم أننا أصبحنا قوة جيولوجية تؤثر في مناخ الكوكب؟ هل التقدم يعني مزيدا من السيطرة على الأرض، أم مزيدًا من الفهم لحدود تلك السيطرة؟ هل يمكن للاقتصاد العالمي أن يستمر بالمنطق نفسه في عالم مناخي يزداد اضطرابا؟ ماذا يحدث عندما تصبح “الاستثناءات المناخية” هي القاعدة الجديدة؟ وهل المشكلة الحقيقية هي تغير المناخ، أم التصور البشري القديم بأن الطبيعة ستظل مستقرة إلى الأبد؟

إل نينيو ليس مجرد ظاهرة مناخية عابرة. إنه تذكير بأن الحضارة البشرية، رغم أبراجها الرقمية وأقمارها الاصطناعية وأسواقها العملاقة، ما زالت تعيش فوق طبقة رقيقة جدًا من الاستقرار. تحت هذه الطبقة يتحرك محيط هائل، وغلاف جوي متقلب، وقوى كوكبية تشكلت عبر ملايين السنين. وحين تسخن مياه الهادئ، لا يتغير الطقس فقط. يتغير شيء في وعينا أيضا. ندرك فجأة أن الإنسان ليس سيد الأرض المطلق كما تخيل طويلا، بل جزء من معادلة أكبر بكثير؛ معادلة تكتبها المحيطات والرياح والسحب والطاقة الشمسية بلغة لا تعرف المجاملة. وربما يكون الدرس الأعمق لإل نينيو هو هذا: أن الطبيعة لا تحتاج إلى أن تنتصر على الإنسان. لأن الإنسان لم يكن يوما خارجها أصلا. بل كان، منذ البداية، أحد أحلامها العابرة فوق سطح كوكب أزرق لا يزال يحتفظ بأسراره الكبرى.
📲 Partager sur WhatsApp