بقلم زكية لعروسي, باريس
في ليلة من ليالي يونيو، لم يكن القصر القابع على حافة الغابة في فيلبرو مجرد بناء حجري تحرسه الأشجار وتغسله العتمة. كان، في المخيلة الجماعية، صورة مكثفة لما نسميه “الأمان”. أسوار عالية، أبواب ثقيلة، مسافات تفصل صاحب المكان عن ضجيج العالم. لكن ما حدث هناك، حين وجد جنرال سعودي سابق في الثانية والسبعين من عمره نفسه مقيدا مع عاملة منزله داخل مقر إقامته، لم يكن مجرد حادثة جنائية. كان أشبه بجملة فلسفية اقتحمت الواقع متخفية في هيئة لصوص. فالقصور، في نهاية المطاف، ليست إلا أحلاما متحجرة. نحن نبني الجدران لأننا نخاف الريح. نركب الأقفال لأننا لا نثق بالليل. نحيط أنفسنا بالكاميرات والحراس لأننا نريد أن نقنع ذواتنا بأن الفوضى تقف خارج البوابة.
لكن التاريخ، ذلك الساخر العجوز، يبتسم دائما من وراء كتبه ويهمس: “الفوضى لا تأتي من الخارج فقط، بل تحمل أحيانا مفاتيح الدخول.”هنا يبدأ الجانب الروائي من الحكاية. لو كان المفتش بوارو يجلس في إحدى زوايا المكتبة، يرتشف قهوته بعناية هندسية، لربما لم ينشغل أولا بالسارقين، بل بفكرة القصر نفسها. أما المفتش كولومبو، بمعطفه المجعد ونظرته التي تبدو ضائعة بينما هي تلتقط أدقّ التفاصيل، فربما سأل سؤالا بسيطا ومزعجا: لماذا نظن دائما أن المكان الكبير أكثر أمنا من الإنسان الصغير؟
ذلك أن الجريمة الحديثة تحمل مفارقة عجيبة: كلما ازداد الإنسان تحصيناً مادياً، ازداد اقتناعاً بأنه محصن وجوديا. وهذا وهم. الغابة التي تحيط بالقصر لم تكن مجرد ديكور طبيعي. كانت تمثل، على نحو رمزي، الحدود القديمة بين الحضارة والمجهول. منذ الأساطير الأولى كانت الغابات هي موطن المخلوقات الغامضة والاحتمالات المقلقة. واليوم، رغم الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي وأجهزة الإنذار، لا تزال الغابة قائمة داخل وعينا. إنها اسم آخر لذلك الجزء من العالم الذي لا نستطيع السيطرة عليه. إن حادثة كهذه تذكرنا بحقيقة مزعجة: الأمن ليس حالة، بل علاقة متوترة بين الخوف واليقظة. فالأمن المطلق لا وجود له إلا في الإعلانات التجارية.
أما في الواقع، فإن الإنسان يعيش دائما على حافة هشاشة خفية. قد يملك ثروة أو نفوذا أو لقبا عسكريا رفيعا أو قصرا متراميا، لكنه يظل كائنا بيولوجيا يمكن أن يفاجئه طرق على الباب أو ظلّ يتحرك في الممرّ. وهنا تكمن المفارقة العميقة. الجنرال السابق، الذي ربما أمضى سنوات من حياته يفكر في استراتيجيات الحماية والدفاع وموازين القوة، وجد نفسه فجأة أمام أبسط حقائق الوجود: الجسد البشري، حين يقيّد، يعود إلى ضعفه الأول. كأن الفلسفة قررت أن تكتب ملاحظاتها على هامش محضر الشرطة. لكن ما يجعل هذه الحادثة أكثر إثارة من مجرد خبر أمني هو أنها تكشف عن أزمة أوسع في المجتمعات المعاصرة. فنحن نعيش في عصر تُباع فيه الطمأنينة كمنتج استهلاكي. أنظمة مراقبة، أبواب ذكية، حساسات حركة، برامج تنبؤية. ومع ذلك، لا يبدو أن الشعور بالأمان يزداد بالوتيرة نفسها.
لأن الأمن الحقيقي لا يعير بعدد الكاميرات، بل بدرجة الثقة التي تربط الأفراد بمجتمعهم. عندما تتآكل هذه الثقة، تصبح الأسوار أعلى، لكن الخوف يصبح أعمق. ومن زاوية أدبية، تبدو الحادثة كأنها فصل ضائع من رواية أوروبية معاصرة. قصر منعزل. غابة صامتة. مالك يحمل ماضيا عسكريا. مهاجمون يأتون من قلب الظلام. شخصيات تبدو وكأنها خرجت من صفحات رواية بوليسية، لكن النهاية ليست لغزا حول هوية الجاني فقط، بل سؤالا عن معنى الحماية نفسها. من يحرس الحارس؟ ومن يؤمّن المؤمَّن؟ ومن يقنع الإنسان، بعد كل هذا التقدم، بأنه ليس وحيدا أمام احتمالات الليل؟ ربما لهذا السبب تستمر مثل هذه القصص في أسر اهتمامنا. فهي لا تتحدث عن ضحايا محددين بقدر ما تتحدث عنا جميعا. عن ذلك القصر الصغير الذي يحمله كل إنسان داخله: بيته، عائلته، ذكرياته، وأوهامه الخاصة بالأمان. وعندما تكسر بوابة ذلك القصر، ولو للحظات، ندرك أن الحضارة كلّها ليست سوى محاولة نبيلة ومستمرة للتفاوض مع الهشاشة.
📲 Partager sur WhatsApp