بقلم الإعلامي حيمري البشير – كوبنهاغن، الدنمارك
في خضم الأجواء الحماسية التي تصاحب المنافسات الكروية الكبرى، يتحول النقاش الرياضي أحياناً من فضاء للتنافس الشريف والفرح الجماعي إلى ساحة للتجاذبات السياسية والإيديولوجية، حيث تختلط الحقائق بالأحكام المسبقة، والتحليل الموضوعي بالانفعالات العاطفية. ومن هذا المنطلق يمكن فهم الجدل الدائر بين عدد من الشعوب العربية حول نتائج المنتخبات المشاركة في كأس العالم، وما يرافق ذلك من قراءات متباينة تتراوح بين النقد الرياضي الرصين والتفسيرات التي تبحث عن شماعات خارجية لتبرير الإخفاقات.
لقد أظهرت هذه البطولة، كما أظهرت بطولات سابقة، أن النجاح في عالم كرة القدم لم يعد وليد الصدفة أو ضربة حظ عابرة، بل أصبح ثمرة تخطيط استراتيجي طويل الأمد، واستثمار مستمر في التكوين والبنيات التحتية والموارد البشرية. وفي هذا السياق يبرز النموذج المغربي باعتباره تجربة تستحق الدراسة والتأمل، بالنظر إلى النتائج الإيجابية التي حققها المنتخب الوطني في مختلف الفئات العمرية، وما يعكسه ذلك من نجاعة المشروع الرياضي الذي تم بناؤه خلال السنوات الأخيرة.

فما يحققه المنتخب المغربي اليوم ليس حدثا معزولا عن سياقه، وإنما هو امتداد لمسار إصلاحي قادته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، عبر رؤية واضحة ارتكزت على التكوين العلمي والاحترافي، وإنشاء مؤسسات رياضية بمواصفات عالمية، وفي مقدمتها مركز محمد السادس لكرة القدم، الذي أصبح نموذجا قاريا ودوليا في إعداد المواهب وصقلها. كما لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي يضطلع به أبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج، أولئك الشباب الذين أثبتوا في أكثر من مناسبة أن الانتماء للوطن ليس مجرد وثيقة إدارية أو مكان ولادة، بل هو ارتباط وجداني وثقافي عميق تجسد في اختيارهم حمل القميص الوطني والدفاع عن ألوان المغرب في أكبر المحافل الرياضية. وقد نجح هؤلاء الشباب في تقديم صورة مشرقة عن المغرب الحديث، صورة بلد قادر على استثمار طاقاته أينما وجدت، وتحويل تنوع تجاربه الإنسانية والثقافية إلى مصدر قوة وإشعاع. لذلك فإن ما يحققه المنتخب الوطني من نتائج إيجابية يجد صداه في وجدان الملايين من الجماهير العربية والإسلامية التي ترى في هذا التألق نموذجاً للنجاح المبني على العمل والاجتهاد وليس على الشعارات أو الخطابات الشعبوية. غير أن بعض الأصوات اختارت أن تقرأ هذا النجاح من زوايا بعيدة عن المنطق الرياضي، فربطته بخلافات سياسية أو مواقف دبلوماسية أو حسابات إقليمية لا علاقة لها بالمستطيل الأخضر. بل إن البعض لجأ إلى توظيف قضايا حساسة، وعلى رأسها الصراع في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، لتفسير نتائج رياضية لا تحسمها إلا الكفاءة والانضباط والجاهزية التقنية والبدنية. وهي مقاربة لا تخدم الرياضة ولا السياسة، لأنها تكرس الانقسام وتغذي مشاعر الاحتقان بدل أن تشجع على النقد الذاتي واستخلاص الدروس من التجارب الناجحة.

إن ربط فشل بعض المنتخبات بنظريات المؤامرة أو تحميل المسؤولية لعوامل خارجية، لا يمكن أن يحجب حقيقة أساسية مفادها أن التقدم الرياضي يتحقق بالعمل المؤسساتي الجاد، وبالاستثمار في التكوين والبحث والتخطيط، لا بإلقاء اللوم على الآخرين. فالأمم التي حققت إنجازات كبرى في الرياضة لم تفعل ذلك عبر الخطابات الانفعالية، بل عبر بناء منظومات متكاملة تضع الإنسان والكفاءة في قلب المشروع التنموي. ومن جهة أخرى، فإن النجاح المتواصل لأبناء الجالية المغربية في مختلف المجالات، سواء في الرياضة أو الاقتصاد أو العلوم أو الثقافة، يبعث برسالة واضحة إلى صناع القرار والنخب الوطنية مفادها أن مغاربة العالم يشكلون رصيداً استراتيجيا للبلاد، وأن إشراكهم بشكل أوسع في الحياة العامة وفي مسارات التنمية والديمقراطية يمثل خيارا وطنيا ذا أهمية كبرى، لما راكموه من خبرات وتجارب في مختلف دول العالم.

وفي نهاية المطاف، تبقى كرة القدم لعبة تجمع الشعوب أكثر مما تفرقها، وتمنح الأمم فرصة للاحتفال بإنجازاتها وتقييم إخفاقاتها بروح رياضية ومسؤولية جماعية. أما تحويلها إلى أداة للخصومات السياسية أو لبث الكراهية بين الأشقاء، فإنه يفرغها من رسالتها الإنسانية النبيلة. وإذا كان المنتخب المغربي اليوم يحظى بتعاطف واسع داخل الشارع العربي والإسلامي، فلأن الجماهير بطبيعتها تميل إلى تشجيع التجارب الناجحة التي تبنى على الجهد والمثابرة والإيمان بالقدرات الذاتية. ويبقى الأمل مشروعاً في مواصلة هذا التألق وتحقيق المزيد من الإنجازات، مع التمسك بقيم الاحترام والتواضع والوحدة، بعيداً عن كل أشكال التعصب والتفرقة. فالأوطان تبنى بالعمل، والنجاحات تصنع بالإرادة، والتاريخ لا يخلد إلا الذين جعلوا من التحديات جسوراً نحو المستقبل.
.
📲 Partager sur WhatsApp