بقلم الإعلامي حيمري البشير , كوبنهاكن-الدنمارك
يوم الأربعاء، تكشّف أمام الجميع حجم الانقسام العميق داخل الحكومة بشأن سياسة الهجرة، وانفضح التباين الجوهري بين مكوّناتها السياسية. وأصبح الحزب الاشتراكي الديمقراطي في موقف بالغ الصعوبة وهو يحاول تبرير مواقفه وإقناع الناخبين بقدرته على المضي في نهج متشدّد تجاه قضايا الهجرة واللجوء. فوزير الهجرة والاندماج، مورتن بودسكوف، يكثّف ظهوره الإعلامي وينشر بصورة شبه يومية مقاطع مصوّرة على منصات التواصل الاجتماعي، يؤكد فيها ضرورة ترحيل المجرمين والأجانب الذين رُفضت طلبات إقامتهم من الدنمارك. ولا يخفى على أحد الدافع وراء هذه الحملة الإعلامية المكثفة؛ إذ يدرك الحزب الاشتراكي الديمقراطي أن وجوده في حكومة تضم أحزابا أكثر تساهلا في ملف الهجرة، مثل حزب الشعب الاشتراكي والحزب الاجتماعي الليبرالي وحزب المعتدلين، يضعف مصداقيته بصورة كبيرة أمام الرأي العام.

غير أن الخطاب الإعلامي، مهما كان مكثفا، لا يستطيع أن يحجب حقيقة الواقع السياسي. وقد تجلّت هذه الحقيقة بوضوح يوم الأربعاء عندما صوّت البرلمان الأوروبي لصالح إقرار لائحة الاتحاد الأوروبي لإعادة المهاجرين وترحيل المقيمين بصورة غير قانونية. وتُعد هذه اللائحة، في جوهرها، تجسيدًا لعدد كبير من المطالب والأولويات التي طالما دعت إليها الدنمارك في مجال الهجرة. وتهدف اللائحة إلى تسهيل ترحيل طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم، أي الأشخاص الموجودين داخل أراضي الاتحاد الأوروبي من دون حق قانوني في الإقامة. وتشمل الإجراءات المقترحة حالات عدم التعاون مع سلطات الترحيل، أو تشكيل خطر أمني، أو التنقل غير المشروع بين دول الاتحاد الأوروبي. وبموجب اللائحة الجديدة، يمكن احتجاز الأشخاص الخاضعين لإجراءات الترحيل لمدة تصل إلى أربعة وعشرين شهرا مع إمكانية تمديد فترة الاحتجاز عند الضرورة. كما تتيح اللائحة إنشاء مراكز استقبال ومعالجة للطلبات خارج حدود الاتحاد الأوروبي، وهو النموذج الذي عرف في الدنمارك باسم «نموذج رواندا». وقد صوّت جميع أعضاء البرلمان الأوروبي المنتمين إلى الأحزاب اليمينية والمحافظة لصالح اللائحة، كما صوّت أعضاء الحزب الاشتراكي الديمقراطي بالموافقة عليها. كذلك أيّدت عضوة البرلمان الأوروبي ستينه بوسه عن حزب المعتدلين المشروع، رغم أنها سارعت لاحقًا إلى التأكيد عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن النص المطروح لا يمثّل، في نظرها، الحل الأمثل.

في المقابل، صوّت أعضاء البرلمان الأوروبي عن حزب الشعب الاشتراكي والحزب الاجتماعي الليبرالي ضد اللائحة، رافضين بذلك الإجراءات الرامية إلى ترحيل المهاجرين غير الحاصلين على إقامة قانونية، وكذلك فكرة إنشاء مراكز استقبال خارج الاتحاد الأوروبي. ويبقى المستقبل وحده كفيلا بإظهار مدى فعالية هذه اللائحة على أرض الواقع، خصوصا أن التجارب السابقة تدعو إلى قدر من الحذر والتشكيك في قدرة المؤسسات الأوروبية على تحويل النصوص القانونية إلى نتائج ملموسة. لكن ما بات واضحًا بلا لبس هو أن الحديث عن تشديدات جوهرية في سياسة الهجرة الدنماركية يفتقر إلى المصداقية ما دام الحزب الاشتراكي الديمقراطي شريكا في حكومة تضم قوى سياسية تعارض مثل هذه الإجراءات أو تتحفظ عليها. وليس من قبيل المصادفة أن البرنامج الحكومي الأساسي يخلو من أي مبادرات جديدة وحاسمة في ملف الهجرة والأجانب. لقد كشف تصويت بروكسل هذه الحقيقة بجلاء. وأثبت أن الخلافات داخل الائتلاف الحاكم أعمق من أن تغطّى بحملات إعلامية أو خطابات سياسية متكررة. فمهما تعددت المقاطع المصوّرة والتصريحات الحازمة، فإن الوقائع السياسية تظل أقوى من الصورة الإعلامية، والحقائق لا يمكن إخفاؤها خلف آلاف المنشورات ومقاطع الفيديو.
📲 Partager sur WhatsApp