ضمن سلسلة: ويخلق من الشبه أربعين
بقلم عبد الله شوكا, كاتب وصحافي- المغرب
ثمة وجوه لا تحتاج إلى مرآة كي تثير الدهشة، بل يكفي أن تمر أمام الذاكرة حتى توقظ فيها وجها آخر. ولعل أجمل ما في مقولة العرب: “ويخلق من الشبه أربعين” أنها لا تتحدث عن تشابه الملامح وحدها، بل عن تلك المصادفات البصرية التي تربك العين، وتدفع الخيال إلى أن يعيد ترتيب الوجوه في ألبوم الذاكرة. ومع كل بطولة كبرى، يطل الحارس الدولي المغربي ياسين بونو ليؤكد، مرة بعد أخرى، أنّه ليس مجرد حارس مرمى، بل أحد أبرز حرّاس العالم؛ حارس يملك من هدوء الأعصاب ما يجعل الخطر يبدو عابرا، ومن سرعة البديهة ما يحول المستحيل إلى لقطة عادية، ومن الثقة ما يزرعه في قلوب ملايين المغاربة قبل أن يزرعه في دفاع المنتخب.
حين يقف بونو بين القائمين، لا يبدو وكأنه يحرس مرمى بطول سبعة أمتار واثنين وثلاثين سنتيمترا، بل كأنه يحرس وطنا بأكمله. أربعون مليون مغربي يختبئون، مجازا، خلف شباكه، وهو وحده يتصدى لكلّ ما يأتي من جهة الخطر. لذلك لا تبدو تصدياته مجرد تدخلات رياضية، بل لحظات يختلط فيها الحس الوطني بمهارة الرياضي، حتى يغدو القفز نحو الكرة قفزا نحو حماية فرحة شعب بأسره. وخلال مسيرته، ظل بونو وفيا لقميص الوطن. لم يتأخر يوما عن نداء المنتخب، ولم تغيّر الأضواء العالمية ولا العقود الاحترافية من تواضعه أو التزامه. فكلما ارتفعت أسهمه في ملاعب العالم، ازداد قربا من جمهوره، وكأن المجد الحقيقي، في نظره، لا يقاس بعدد البطولات، بل بعدد الابتسامات التي يرسمها على وجوه المغاربة.

غير أن هناك مفارقة طريفة لا تخطئها العين. كلّما أطلّت الكاميرا على ياسين بونو، خاصة في حواراته التلفزيونية بعد المباريات، تسللت إلى الذاكرة صورة أخرى، صورة فنان مغربي أحب المدن كما أحبها الشعراء، وغنى للمغرب كما لو كان يرسمه بالنغم… إنّه الفنان نعمان لحلو. يكفي أن يتحدث بونو أمام عدسات الإعلام حتى يخيل إليك، لوهلة، أنه سيقطع حديثه عن التكتيك والضغط العالي والكرات الثابتة، ثم يبتسم ويشرع في أداء: “يا الشاون يا نوارة…”. فالتشابه بين الرجلين لا يقتصر على تقاسيم الوجه، بل يمتد إلى وقار النظرة، وهدوء الابتسامة، وأناقة الحضور التي تسبق الكلام.
ولو وضعت نعمان لحلو، على سبيل المزاح، مرتديا قميصا رياضيا وقفازات حارس مرمى أمام الشباك، لما احتاج المتفرج إلى كثير من الوقت حتى يظنه ياسين بونو. ولو حملت بونو إلى خشبة مسرح وأحطته بالأضواء، لانتظرت منه أن يصدح بأغنية عن شفشاون أو الصويرة أو فاس، قبل أن يطالب الجمهور بركلة جزاء. إنّها لعبة الذاكرة البصرية؛ ذلك الفن الخفي الذي يجعل العين تكتب روايتها الخاصة قبل أن يتدخل العقل لتصحيحها. ومع ذلك، يبقى لكل واحد منهما ملعبه الذي يتألق فيه.
فبونو يعزف سيمفونيته بقفازات الحارس، يكتبها بالتصديات والانفرادات والكرات المستحيلة، ويوقعها باسم المغرب في أكبر المحافل الرياضية. أما نعمان لحلو، فيعزف على أوتار الوجدان، ويجعل من المدن المغربية قصائد مغناة، يلبسها ألحانا تحفظها الذاكرة قبل أن تحفظها الآذان. قد تجمعهما الملامح، وقد تربك العين بين صورتيهما، لكن الموهبة اختارت لكل واحد منهما لغته الخاصة؛ أحدهما يحرس أحلام المغاربة بين القائمين، والآخر يحرس ذاكرتهم الجميلة بين المقامات الموسيقية. وهكذا يصدق المثل القديم مرة أخرى: ويخلق من الشبه أربعين… غير أن الإبداع، مهما تشابهت الوجوه، يبقى لكل إنسان بصمته التي لا تشبه أحدا.
📲 Partager sur WhatsApp
جميل.