حفاضات صينية في قفص الاتهام

بقلم زكية لعروسي, باريس

ثمة أخبار تمرّ في الصحف مثل عابر سبيل، وثمة أخبار صغيرة في ظاهرها لكنّها تشبه مرآة سحرية تعكس حضارة كاملة. خبر التحقيق الصيني في احتمال وجود مادة كيميائية غير مرغوب فيها داخل بعض حفاضات الأطفال ينتمي إلى الفئة الثانية. فهو لا يتحدّث في الحقيقة عن حفّاضات فحسب، بل عن ذلك العقد غير المكتوب الذي أبرمته الإنسانية المعاصرة مع الصناعة العالمية: أعطونا منتجات أرخص، وسنغفر لكم تعقيدات الطريق الطويل الذي أوصلها إلينا. منذ عقود، أصبحت الصين أشبه بورشة الكون الكبرى. لو استيقظ الجاحظ من سباته الطويل، وطاف في أسواق العالم، لربّما كتب كتابا جديداً أسماه “مفاخرات المصانع والموانئ”. كان سيقف مدهوشا أمام أشياء تأتي من الطرف الآخر للأرض بثمن يكاد ينافس ثمن الخيال. ألعاب الأطفال، الأواني، الملابس، الهواتف، وحتى الأشياء التي لا نفكر فيها إلا عندما تنفد من البيت، كلّها تحمل بصمة تلك الإمبراطورية الصناعية التي نجحت فيما لم تنجح فيه إمبراطوريات الجيوش: غزو البيوت من دون إطلاق رصاصة واحدة.

لكن الصناعة، مثل السحر، كلما ازدادت قدرة على الإدهاش ازدادت حاجتنا إلى الحذر منها. إن قصة الحفاضات ليست مجرد قضية جودة أو مطابقة للمواصفات. إنها تطرح سؤالا فلسفيا أقدم من المصانع نفسها: هل يمكن للإنسان أن يحصل دائما على الأرخص والأفضل في الوقت نفسه؟ لقد حلم الاقتصاد الحديث طويلا بإقناعنا بذلك. لكن الواقع أكثر تعقيدا. فكل منتج رخيص يحمل داخله معادلة مخفية: تكلفة المواد، تكلفة العمل، تكلفة النقل، تكلفة الرقابة، وتكلفة الأخطاء أيضا. وكلما ضغط المستهلك على السعر، بدأت بعض الحلقات في السلسلة تختنق. وهنا يظهر الوجه الآخر للعولمة. لقد منحت العولمة الفقراء قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى منتجات كانت في الماضي حكرا على الطبقات الميسورة. وهذه حقيقة ينبغي الاعتراف بها بشجاعة. فالعامل البسيط في إفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية أو حتى في أوروبا لم يكن ليستطيع شراء كثير من احتياجات أسرته لو لم توجد هذه الثورة الصناعية العالمية التي خفضت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.

ولذلك يبدو الحديث عن المنتجات الرخيصة أحيانا وكأنه حديث بين عالمين لا يلتقيان. هناك من يستطيع أن يشتري الحفاض العضوي الفاخر، المصنوع من مواد طبيعية، والمراقَب في عشرين مختبرا. وهناك أم أخرى تنظر إلى رفّ المتجر بعين مختلفة تماما. إنها لا تسأل عن الفلسفة البيئية ولا عن أحدث شهادات الجودة. إنها تحسب ما بقي في محفظتها حتى نهاية الشهر. ذلك هو السؤال الذي لا تحبه النخب كثيرا. كيف يعيش الفقير بلا المنتجات الرخيصة؟ كيف تطعم أسرة ثلاثة أطفال إذا تضاعف سعر الحليب؟ كيف تشتري حفّاضات بيئية إذا كان ثمنها يلتهم ربع الدخل؟ إن العدالة الاجتماعية تبدأ أحيانا من رفوف المتاجر أكثر مما تبدأ من الخطب السياسية. لكن هذا لا يعني التساهل مع الجودة. فحين يتعلق الأمر بالأطفال، يصبح التساهل نوعا من المقامرة الأخلاقية. الرخص لا يجب أن يكون مرادفا للخطر. والفقر لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة صحية.

لهذا فإن القضية الحقيقية ليست الاختيار بين السعر والجودة، بل بناء صناعة قادرة على الجمع بين الاثنين. وهي معادلة صعبة، لكنها ليست مستحيلة. ثم إن هذه الحادثة تفتح بابا آخر أكثر إثارة. هل يمكن أن تعود البشرية إلى بعض عادات الجدات؟ قبل ظهور الجبال البلاستيكية من الحفاضات أحادية الاستخدام، كانت الأمهات يعتمدن على الأقمشة القابلة للغسل. كانت العملية أكثر مشقة وأقل راحة، لكنها كانت أكثر انسجاما مع البيئة. لم تكن الأجيال السابقة أكثر فقرا فقط، بل كانت أيضا أكثر مهارة في إعادة الاستخدام. غير أن الحنين وحده لا يكفي. فالعودة الكاملة إلى الماضي مستحيلة تقريبا. لا يمكن لأم تعمل عشر ساعات يوميا أن تعيش كما كانت تعيش جدتها في قرية صغيرة قبل قرن. الزمن نفسه تغير، وإيقاع الحياة تغير، وأصبحت الراحة جزءا من الاقتصاد الحديث.

لذلك فإن المستقبل لا يكمن في رفض الصناعة، ولا في تقديسها. بل في إخضاعها باستمرار للمساءلة. إن الحضارة لا تُقاس بعدد المنتجات التي تنتجها، بل بدرجة الثقة التي يضعها الناس في تلك المنتجات. وعندما يتعلق الأمر بجلد طفل رضيع، فإن المسألة تتجاوز الاقتصاد والتجارة. إنها تمس أعمق منطقة في الوعي الإنساني: منطقة الحماية. فالطفولة هي آخر مملكة ما زال البشر يتفقون على قدسيتها. وحين تقترب الشكوك من تلك المملكة، تتحول حفاضة صغيرة إلى قضية فلسفية كبرى تتعلق بالأمن، والثقة، والعدالة، والمعنى الحقيقي للتقدم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *