النقرس وعودة السيادة الدوائية

بقلم زكية لعروسي, باريس

كان النقرس، لقرون طويلة، المرض الذي يسير متبخترا في قصور الملوك أكثر مما يسير في أزقة الفقراء. لم يكن مجرد التهابٍ مؤلم في المفاصل، بل كان أشبه بتوقيع بيولوجي تتركه الوفرة على الجسد. ولذلك أطلق عليه الأوروبيون زمناً اسم “داء الملوك”، فيما كان الأطباء القدامى ينظرون إليه بوصفه لغزاً يتجسد في إصبع قدم متورم أكثر مما يتجسد في كتب التشريح. واليوم، حين تعلن فرنسا إعادة توطين إنتاج الكولشيسين، ذلك الدواء العتيق الذي ما زال يقف في الخطوط الأولى لمواجهة النقرس، فإن الخبر لا يتحدث فقط عن مصنع أو سلسلة إنتاج أو استقلال دوائي. إنه يحكي قصة أطول بكثير: قصة العلاقة المتقلبة بين الإنسان والألم، وبين العلم والسيادة، وبين الطبيعة التي تصنع السموم نفسها التي تتحول لاحقا إلى أدوية تنقذ الملايين.

إن في الكولشيسين مفارقة تكاد تكون أدبية. فهذا المركب الدوائي لا وُلد في مختبر فائق الحداثة، ولا خرج من رحم الذكاء الاصطناعي أو هندسة الجينات. بل جاء من نبتة عُرفت منذ آلاف السنين باسم اللحلاح الخريفي، تلك الزهرة الجميلة التي تخفي في أوراقها سماً قادراً على قتل الإنسان إذا أسيء استخدامه. وهنا تبدأ إحدى أعظم روايات الطب. فالتاريخ الطبي ليس تاريخ الانتصار على الطبيعة، كما يعتقد البعض، بل تاريخ الحوار الطويل معها. كان الإنسان القديم يجلس أمام النبات كما يجلس الفيلسوف أمام الكون، يسأل ويجرب ويخاطر. ومن بين آلاف الأخطاء، كان يلتقط أحياناً حقيقة صغيرة تغيّر مصير البشرية.

في مصر القديمة، وفي مدارس الإغريق الطبية، ثم في عيادات الأطباء العرب والمسلمين، ظل السؤال نفسه يتردد عبر القرون: كيف يمكن تحويل السم إلى علاج؟ الكولشيسين هو أحد أجمل الأجوبة التي توصل إليها العقل البشري. فلسفيا، يذكرنا هذا الدواء بحقيقة عميقة: ليست الأشياء خيّرة أو شريرة بطبيعتها. الجرعة هي التي تحدد المصير. السم قد يصبح دواء، والدواء قد يصبح سماً. وبين الاثنين تقف المعرفة. ولذلك فإن الطب، في جوهره، ليس مجرد علم للجسد، بل علم للحدود. حدود الألم. حدود الجرعة. حدود الحياة نفسها. أما النقرس، ذلك المرض الذي يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، فيمثل درساً مذهلاً في تعقيد البيولوجيا البشرية. إنه ليس مجرد وجع في المفصل، بل نتيجة تراكم بلورات دقيقة من حمض البول داخل المفاصل والأنسجة. كأن الكيمياء الخفية للجسد تقرر فجأة أن تتحول إلى هندسة مؤلمة.

والأكثر إدهاشا أن الإنسان المعاصر، رغم رحلاته إلى الفضاء وقدرته على تعديل الجينات، لا يزال يخضع لقوانين كيميائية كانت تحكم أجساد الفراعنة والرومان قبل آلاف السنين. هنا تتجلى عظمة العلم الحديث. فالتقدم الطبي الحقيقي لا يكمن فقط في اكتشاف أدوية جديدة، بل في ضمان وصولها إلى المرضى في الوقت المناسب. إن مصنعا ينتج ملايين العلب من دواء أساسي قد يكون في بعض اللحظات أكثر أهمية من مختبر يعلن اكتشافا ثوريا. لقد كشفت أزمات العقود الأخيرة، من الجوائح إلى اضطرابات سلاسل التوريد العالمية، أن الصحة لم تعد قضية طبية فحسب، بل أصبحت قضية جيوسياسية أيضا. فالدولة التي لا تستطيع إنتاج أدويتها الأساسية تشبه مدينة عظيمة تعتمد على جسر واحد للوصول إلى الماء. ولهذا فإن إعادة تصنيع الكولشيسين داخل فرنسا تتجاوز الحسابات الصناعية الضيقة. إنها تعبير عن مفهوم جديد للسيادة: سيادة تبدأ من المختبر وتمتد إلى سرير المريض.

لكن المشهد الأجمل يبقى في مكان آخر. في تلك الرحلة العجيبة التي تبدأ من زهرة سامة تنمو بصمت في الحقول، ثم تمر عبر عقول الكيميائيين والصيادلة والأطباء والمهندسين، لتصل أخيرا إلى مريض يستيقظ ذات صباح وقد خفت ألمه. هناك، في تلك اللحظة الصغيرة التي لا تظهر في نشرات الأخبار، يتحقق المعنى الحقيقي للتقدم العلمي. ليس في الأبنية الضخمة، ولا في المؤتمرات، ولا في الأرقام. بل في انتصار الإنسان المتكرر على المعاناة. وفي كل مرة ينجح فيها دواء قديم في مواصلة حماية حياة جديدة، يثبت الطب حقيقة ربما هي الأجمل في تاريخ الحضارة كلها: أن المعرفة لا تهزم الزمن فحسب، بل تمنح الأمل شكلا ماديا يمكن ابتلاعه مع كوب ماء.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *