بقلم زكية لعروسي, باريس
في الأزمنة القديمة، كان البشر ينظرون إلى الشّمس بوصفها ملكة النار، أمّ الحقول، وسيدة المواسم. كانوا يرون فيها خبازة القمح، وصانعة الظلال، وموزعة العرق على جباه الفلاحين. لكن أحدا لم يتخيل أن هذه الكرة المشتعلة، على بعد مائة وخمسين مليون كيلومتر تقريبا، تعمل أيضا موظفة في قسم النظافة الفضائية. نعم، فبينما تنشغل البشرية بإرسال الأقمار الصناعية والصواريخ والمختبرات المدارية، تبدو الشمس وكأنها تتمتم من بعيد: “أرسلوا ما شئتم… وسأتولّى أنا ترتيب الفوضى لاحقا.”
في المدار الأرضي المنخفض، حيث تدور آلاف القطع المعدنية التائهة كأشباح خرجت من حروب تكنولوجية قديمة، تتراكم بقايا الصواريخ والأقمار المعطوبة والمسامير الضائعة والشظايا المجهولة الهوية. إنه ليس فضاء فارغا كما تصوّره القصائد، بل مستودع كوني ضخم للأشياء التي نسيها الإنسان بعد أن انتهى من استخدامها. هناك، فوق رؤوسنا، تدور خردة الحضارة.لكن الشمس ليست جسما هادئا كما تبدو في الرسومات المدرسية.
إنها كائن فلكي عصبي المزاج، يتنفس البلازما، ويزفر العواصف المغناطيسية، ويكتب مزاجه على هيئة بقع سوداء يسمّيها العلماء “البقع الشمسية”. كل بقعة شمسية هي تقريبا تجعيدة على جبين النجم. وحين تتكاثر التجاعيد، يبدأ الكون في الشعور بحرارة المزاج. عندها لا ترسل الشمس أشعتها فقط، بل تمد أصابعها غير المرئية نحو الغلاف الجوي العلوي للأرض. فتنتفخ الطبقات العليا كما تنتفخ وسادة قديمة تحت ضغط الهواء. ويحدث ما يشبه المعجزة الساخرة.

الخردة الفضائية التي كانت تظن نفسها حرة في الأعالي، تكتشف فجأة أن الهواء الخفيف بدأ يلامسها من جديد. فتتباطأ. ثم تهبط. ثم تسقط. كأن الشمس لم تعد نجما، بل شرطيا كونيا يطلب من المتسكّعين مغادرة المكان. لو عاد الجاحظ اليوم ورأى ما يفعله البشر بالفضاء، لربّما ضحك حتى تسقط عمامته. فالإنسان الذي كان يرمي قشور التمر في الطرقات صار يرمي الأقمار الصناعية في السماء. المشكلة نفسها. المسرح فقط هو الذي تغيّر. لقد نقلنا عاداتنا الأرضية إلى المدار. أنشأنا أوّل مكب نفايات خارج الكوكب قبل أن نتعلم تماما كيف نحافظ على نظافة الكوكب نفسه.
والعجيب أن الطبيعة، التي عجزنا عن تقليد حكمتها، ما زالت تحاول إصلاح أخطائنا. فالشمس لا تقرأ تقارير وكالات الفضاء. ولا تعرف شيئا عن البيروقراطية الدّولية. ومع ذلك تؤدي وظيفة لم تتفق عليها الحكومات بعد: تقليل الفوضى المدارية. العلم يصف الأمر بلغة دقيقة. زيادة النشاط الشمسي تؤدي إلى تمدد الغلاف الجوي العلوي. ويؤدي التمدد إلى زيادة السحب الهوائية. وتؤدي زيادة السحب إلى فقدان الأجسام المدارية جزءا من سرعتها. لكن الأدب يرى شيئا آخر. يرى أن الشمس تكتب رواية طويلة عن الغرور.

كلّ جسم يصعد إلى السماء يعتقد أنه انتصر على الجاذبية. ثم يأتي زمن معيّن ليتذكّر أنّه لم ينتصر إلا مؤقتا. كل الأقمار، وكل الشظايا، وكل القطع المعدنية الهاربة من الأرض تحمل داخلها قدرا صغيرا من التراجيديا الإغريقية. إنها تصعد مثل الأبطال. ثم تعود مثل الذّكريات. ثمّة حكمة خفيّة في القصة. فالحرارة التي تفسد الطعام أحيانا، وتذيب الشموع، وترهق المسافرين، هي نفسها التي تنظف جزءا من الفضاء. كأن الكون يرفض الأحكام الأخلاقية البسيطة. النار ليست خيرا. وليست شرا. إنها مجرد قوة تواصل عملها العظيم بلا اكتراث. الشمس لا تعاقب الخردة. ولا تكافئ الأرض. إنها تمارس طبيعتها فقط. لكن من هذه الطبيعة تولد نتائج تشبه الحكمة.
ربما لا تكمن روعة هذا الاكتشاف في أنه يشرح سقوط بعض الحطام الفضائي. بل في أنه يذكّرنا بحقيقة أوسع. كلّ ما نتركه وراءنا يعود إلينا بطريقة ما. في الشوارع تعود النفايات. وفي التاريخ تعود الأخطاء. وفي المدار تعود الشظايا. حتى الفضاء، الذي ظنناه مهربا من قوانين العالم، ما زال يخضع لقاعدة قديمة جدا: الفوضى تصعد بسرعة. أما النظام، فيعود دائماً على هيئة شمس.
📲 Partager sur WhatsApp