بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
في البدء لم تكن هناك جريمة، بل هاتف. هاتف صغير، مستطيل، بارد، لا يعرف الصداقة ولا يعرف القانون. مجرد جهاز يختبئ في راحة اليد، وينتظر أن تتحول أصابع الإنسان إلى قدر. وفي جهة من المدينة كان الليل يهبط على ملهى، بينما في جهة أخرى كانت معلومة مهنية تسير من ملف إلى أذن، ومن أذن إلى هاتف، ومن هاتف إلى مكان لا ينبغي أن تعرفه. هكذا تبدأ بعض الكوارث الحديثة: لا بصرخة، ولا بطلقة، ولا بباب يُكسر في منتصف الليل؛ بل بجملة قصيرة تُقال لمن نحب: «انتبه، هناك تفتيش قادم». القضية التي تناولتها الصحافة الفرنسية في مرسيليا تبدو، في ظاهرها، حكاية عن شرطي سابق في فرقة مكافحة الجريمة، قضى 23 عاما في الشرطة، واتُّهم بأنه حذّر صديقا يعمل مديرا للموظفين في مؤسسة ليلية من مراقبة مرتقبة من طرف الـUrssaf. ووفق ما نُقل عن التحقيق، فإن التحذير وصل إلى المؤسسة، وقيل للعاملين فيها إن عليهم إخفاء عناصر الأمن ومن لا يملكون تصاريح قانونية. ينفي الرجل الوقائع، ويقدم تفسيرا آخر لما حدث. وقد طلب الادعاء العام، بحسب التقرير، عقوبة بالسجن مع وقف التنفيذ، على أن يصدر الحكم في 16 أكتوبر. لكن المحكمة ستفصل في الوقائع القانونية. أما المحكمة التي تعنينا هنا فهي محكمة أخرى: تلك التي توجد داخل رأس كل إنسان عندما يصبح عليه أن يختار بين أن يكون صديقا أو أن يكون مهنيا.
وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية. فالسر المهني ليس معلومة نملكها، بل معلومة لا نملك حق امتلاكها خارج وظيفتها. وهذا فرق مخيف. أن تعرف شيئا لا يعني أنه أصبح لك. المعرفة قد تكون أمانة، وقد تكون قيدا، وقد تكون بابا يجب أن يبقى مغلقا حتى لو كانت يد صديقك ترتجف خلفه. المهنة، في لحظتها الأكثر صرامة، تطلب من الإنسان أن يفعل شيئا ضد غريزته القديمة: أن ينسى أنه ابن لأم، وصديق لصديق، وجار لجار، وعاشق لامرأة، ورفيق لشخص يعرف اسمه منذ عشرين سنة. تطلب منه أن يصبح، ولو مؤقتا، أقل إنسانية بالمعنى العاطفي لكي يكون أكثر إنسانية بالمعنى الأخلاقي. وهذه هي المفارقة التي لا يحبها أحد. نحن نحب أن نتخيل الأخلاق على هيئة قلب دافئ. لكن بعض الأخلاق تحتاج إلى قلب بارد جدا. الصديق يقول: «أنقذني». والوظيفة تقول: «لا تستطيع». وبين الجملتين يولد الجحيم. ليس جحيم دانتي هذه المرة، حيث تتعذب الأرواح في دوائر النار، بل جحيم أكثر حداثة: غرفة صغيرة، هاتف مضاء، اسم مألوف على الشاشة، ومعلومة لا يجوز أن تغادر رأسك. تفتح الرسالة. تقرأها. تعرف أن صديقك قد يتضرر إن لم تحذره. وتعرف، في اللحظة نفسها، أن تحذيره قد يكون هو الضرر. أيّهما تختار؟
هنا لا يعود السؤال: «هل أنت صديقه؟» بل يصبح: «ما الذي تعنيه الصداقة أصلا؟» هل الصديق الحقيقي هو من ينقذك من القانون؟ أم من يرفض أن يجعل القانون ينهار من أجلك؟ ربما تكون الصداقة، في معناها الأعمق، ليست أن أفتح لك كل الأبواب، بل أن أرفض فتح باب لا يحق لي فتحه حتى لو كنت أحبك. الصديق الذي يطلب منك خيانة مهنتك لا يطلب منك معروفًا صغيرًا؛ إنه يطلب منك أن تمزق الحدود التي جعلت ثقتك المهنية ممكنة. لأن المجتمع لا يعمل بالنيات الحسنة. لو كان كل شرطي يستطيع أن يقول لصديقه: «سأخبرك بما أعرف لأنني أحبك»، وكل طبيب يستطيع أن يسرب ملف مريضه لأن المريض قريب منه، وكل محام يستطيع أن يكشف أسرار موكله لأنهما صديقان، وكل موظف يستطيع أن يحذر شخصا من رقابة مقبلة لأنه «إنسان مثله»؛ فإن السر المهني سيتحول إلى نكتة، وستصبح المؤسسات مجرد غرف مليئة بأشخاص يعرفون بعضهم بعضا. وفي تلك اللحظة، لا يعود القانون أعمى. يصبح القانون هو الذي يُعصَب له العمى.
المشكلة أن الإفشاء لا ينتهي عند الجملة الأولى. المعلومة التي خرجت من فم موظف لا تعود إليه. تبدأ كحرف، ثم تصبح هاتفا، ثم مكالمة، ثم حركة أقدام، ثم بابا يُغلق، ثم شخصا يختفي قبل وصول المفتشين، ثم ملفا لا يجد فيه المحقق ما كان يبحث عنه. المعلومة، حين تُسرّب، لا تمشي؛ إنها تتكاثر. وهنا تكمن خطورتها. فالسر المهني ليس مجرد حجاب يحمي الإدارة من الفضول، بل جزء من البنية التي تسمح للدولة والمؤسسات والأفراد بأن يثق بعضهم ببعض. وحين يُخرق هذا الحجاب، لا نعرف دائما حجم ما تسرب معه. ربما تكون المسألة مجرد مخالفة. وربما تكون شيئا أكبر: انهيارًا صغيرًا في فكرة العدالة نفسها. لأن العدالة لا تعني أن الجميع يحبون القانون. تعني أن الجميع، بما في ذلك أصدقاء الذين يطبقونه، لا يستطيعون الالتفاف عليه بواسطة العلاقات الشخصية. وهنا تصبح الصداقة اختبارا قاسيا للأخلاق. ليس لأن الصداقة سيئة. بل لأنها جميلة إلى درجة تجعلها خطرة.
إنها واحدة من أقوى القوى التي عرفها الإنسان. الصديق يعرف ضعفك، ويعرف أبوابك، ويعرف أين يسكن خوفك، وأحيانا يعرف كلمة واحدة تستطيع أن تجعلك تنسى عشرين عاما من الانضباط. لهذا، فإن الامتناع عن مساعدة الصديق في اللحظة التي لا يجوز فيها مساعدته قد يكون، أصدق أشكال الوفاء. أن تقول له: «لا أستطيع أن أخبرك». هذه الجملة تبدو باردة. لكن خلفها أخلاق كاملة. إنها تقول: أنا لا أستخدم ما أعرفه في مهنتي لكي أحميك في حياتي الخاصة. أنا لا أخلط المفتاح الذي منحته لي الوظيفة بالمفتاح الذي أعطيتني إياه الصداقة. أنا لا أحول المؤسسة إلى غرفة جلوس. وهذه ليست قسوة. إنّها حدود. والإنسان الذي لا يعرف الحدود قد يبدو كريمًا، لكنه يصبح، من حيث لا يدري، خطرا على الجميع. هناك وهم حديث يقول إن العلاقات الإنسانية الحقيقية تتجاوز القواعد. لكن التاريخ يعلمنا العكس. كلما زادت قوة العلاقة، زادت الحاجة إلى الحدود. فالحدود ليست ضد الثقة؛ إنها ما يجعل الثقة ممكنة.
نحن نثق بالطبيب لأنّه لا يخبر الآخرين بما يعرفه عنّا. ونثق بالمحامي لأنّه لا يحول اعترافاتنا إلى أحاديث مقاه. ونثق بالشرطي لأنّه لا يستعمل قواعد البيانات التي اؤتمن عليها لملاحقة خصوماته الخاصة أو حماية أصدقائه. الثقة، في جوهرها، هي أن تعرف أنّ الشخص أمامك يستطيع أن يفعل شيئًا، لكنه اختار ألا يفعله. وهذه ربما إحدى أكثر الجمل قسوة وجمالا في الأخلاق: القوة الأخلاقية ليست في أن تستطيع، بل في أن تمتنع. ومن هنا تصبح قصة الشرطي في مرسيليا، بصرف النظر عن النتيجة القضائية النهائية، مرآة لسؤال أكبر بكثير من ملف واحد. كم مرة خسر الإنسان نفسه لأنه أراد أن يكون «صديقا جيدا»؟ كم مرة ارتكبنا خطأ لأننا خلطنا بين الوفاء للشخص والوفاء للحقيقة؟ وكم مرة سمينا التواطؤ «شهامة»، وسَمَّينا خرق القاعدة «وقوفا إلى جانب الصديق»؟ ربما لا تكون أخطر الخيانات هي تلك التي تُرتكب بدافع الكراهية. بعض الخيانات تولد من الحب. وهذه هي الأكثر التباسا. أن تحمي شخصا تحبه قد يبدو فعلا نبيلا، إلى أن تسأل: ممن تحميه؟ من القانون؟ من العدالة؟ من نتيجة أفعاله؟ من حق الآخرين؟ أم من الحقيقة؟ حينها فقط ينكشف القناع. فالصداقة لا ينبغي أن تكون جسرًا فوق القانون. والقرب لا ينبغي أن يتحول إلى تصريح دخول إلى الأسرار. والوظيفة ليست معطفا نخلعه عند باب المقهى. هناك أشياء، بمجرد أن تعرفها بحكم موقعك، لا تعود ملكك. تصبح مثل نار أُودعت في يدك. يمكنك أن تحملها. لكن ليس من حقك أن تلقيها في بيت صديقك لأنك تحبه.
وربما كان أعمق درس في هذه القصة أن الإنسان لا يُختبر عندما يُطلب منه فعل الخير، بل عندما يتعارض الخير الذي يريده لشخص واحد مع الخير الذي تفرضه عليه مسؤوليته تجاه الجميع. في تلك اللحظة، لا توجد موسيقى. لا توجد سماء تفتح أبوابها. لا يأتي ملاك ليهمس في أذنك. فقط هاتف. اسم صديق. معلومة. وثوان قليلة. وفي تلك الثواني قد يتحدد شيء أكبر من مصير وظيفة: يتحدد معنى أن تكون جديرا بالثقة. لأن المجتمع ليس إلا شبكة هائلة من الأسرار الموضوعة بين أيدينا. سر الطبيب. سر المحامي. سر الصحفي. سر الشرطي. سر القاضي. سر الموظف. سر الإنسان العادي. نحن جميعا نحمل أجزاء من حياة الآخرين داخل أفواهنا. والحضارة، في أحد تعريفاتها الأكثر رعبا، هي أن نتعلم كيف نصمت. الصمت، أحيانا، ليس غياب الكلام. إنه أعلى أشكال المسؤولية. وقد يكون الصديق الحقيقي ليس من يقول لك: «سأخبرك بكل شيء». بل من يفهم، حين تقول له «لا أستطيع»، أن هذه العبارة ليست خيانة للصداقة. إنها آخر حصونها. لأن الصداقة التي تحتاج إلى خرق الأمانة لكي تعيش، ليست صداقة تحمي الإنسان. إنها صداقة تأكل الإنسان. وحين تنتهي من أكله، تجلس مكانه. وتسمّي نفسها وفاء.
