بقلم زكية لعروسي, باريس
في إحدى أساطير الإغريق القديمة، كانت ربّات الفنون يعزفن على قمم الجبال بينما تتوقف الحروب مؤقتا ليستمع الجنود إلى الموسيقى. كان الفنّ، في المخيلة البشرية، ذلك الإقليم النادر الذي تستطيع الأرواح أن تلتقي فيه قبل أن تتذكر خلافاتها. لكن يوروفيجن 2026 طرح سؤالا مزعجا: ماذا يحدث عندما تصعد السياسة إلى المسرح قبل المغني؟ وماذا يبقى من الأغنية عندما تتحول النوتات الموسيقية إلى بيانات دبلوماسيّة؟ انخفاض الجمهور بملايين المشاهدين بعد انسحاب دوّل عدّة احتجاجا على مشاركة إسرائيل ليس مجرد رقم في تقرير إعلامي. إنه علامة ثقافية على تحول أعمق بكثير. إنه لحظة اصطدام بين فكرتين متناقضتين: الفن باعتباره فضاء يتجاوز السياسة. والفن باعتباره امتدادا للسياسة بوسائل أكثر نعومة.
منذ القرن التاسع عشر، أحبّ الغرب أن يردد عبارة تكاد تكون مقدسة: “الفنّ للفنّ.” كانت الفكرة مغرية. أن توجد مساحة نقية فوق ضجيج العالم. مكان لا تسكنه الجيوش ولا العقوبات ولا النزاعات. مكان يحكمه الجمال وحده. لكنّ الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه كان سيضحك من هذه البراءة. لأنّ الفنّ، في نظره، ليس هروبا من الحياة بل تعبير مكثف عنها. وكيف يمكن للحياة أن تنفصل عن السياسة؟ كيف يمكن للأغنية أن تنفصل عن زمنها؟ وكيف يمكن للمسرح أن ينعزل عن الجراح التي تتحرك خارجه؟ ربّما لم يكن الفنّ يوما خارج السياسة. ربّما كانت السياسة فقط أقلّ صخبا في الماضي. حين تأسست يوروفيجن بعد الحرب العالمية الثانية، كان الهدف أعمق من مجرّد مسابقة غنائيّة. كانت أوروبا تحاول ترميم نفسها. القارة التي احترقت مرتين خلال أقل من نصف قرن أرادت أن تستبدل صوت المدافع بصوت الموسيقى. كانت الأغنية مشروع سلام. لكن المفارقة أنّ المشروع نفسه تحول مع الزمن إلى مختبر حيّ للتوترات السياسية. كل أزمة دوليّة تجد طريقها إلى المسرح. كلّ انقسام جيوسياسي يظهر بطريقة أو بأخرى في التصويت أو المقاطعة أو الجدل الإعلامي. وكأنّ يوروفيجن لم يعد مسابقة موسيقية بقدر ما أصبح جهازا لقياس حرارة القارة.
السؤال الذي يخشاه الجميع عندما تنسحب دولة احتجاجا على مشاركة دولة أخرى، ما الذي يحدث فعلا؟ هل هي تدافع عن مبادئ أخلاقيّة؟ أم تستخدم الفن منصّة سياسيّة؟ أم تفعل الأمرين معا؟ هنا تبدأ المنطقة الرمادية التي تعجز الشعارات عن تفسيرها. إذا طالبنا الفن بالحياد الكامل، فإننا نطلب منه تجاهل معاناة البشر. وإذا حوّلناه إلى أداة سياسية خالصة، فإنّنا نقتله بوصفه فنّا. المعضلة ليست سهلة. بل ربّما تكون مستحيلة. كان أفلاطون يخشى الشعراء أكثر مما يخشى الجنود. كان يعرف أن الأغنية تستطيع أن تفعل ما لا تستطيع الجيوش فعله. أن تغيّر المشاعر. أن تعيد تشكيل الوعي. أن تخلق التّعاطف أو الكراهية. ولهذا لم يكن الفنّ، في نظر الفلاسفة الكبار، مجرد ترف ثقافي. بل قوة سياسية من نوع مختلف. واليوم، بعد أكثر من ألفي عام، يبدو أن العالم يعيد اكتشاف هذه الحقيقة القديمة. المعركة لم تعد تدور فقط حول الأرض والحدود. بل حول الرموز. وحول من يملك الحق في الوقوف على المسرح.
هنا تكمن المفارقة الكبرى. انخفض عدد المشاهدين. لكن الجدل تضاعف. تراجع البث التلفزيوني. لكن التّفاعل الرّقمي انفجر. كأن يوروفيجن خسر جزءا من جمهوره وربح موقعاً أكثر مركزية داخل المعركة الثقافية العالمية. لم تعد المسابقة مجرد حدث ترفيهي. أصبحت ساحة رمزية تتصارع فوقها تصورات متناقضة للعدالة والهوية والشرعية والتمثيل. فهل يمكن فصل الفنان عن العلم الذي يحمله؟ هذا هو السؤال الذي سيطارد أوروبا لسنوات قادمة. هل يغني الفنان باسمه؟ أم باسم دولته؟ هل يحق للجمهور أن يفصل بين الأغنية والسياسة؟ أم أنّ هذا الفصل نفسه أصبح مستحيلا في عالم متصل على مدار الساعة؟ جان بول سارتر كان يرى أن الإنسان محكوم بالاختيار. وربما تنطبق الفكرة على المؤسسات الثقافية أيضا. فعدم اتخاذ موقف أصبح بدوره موقفا. والحياد نفسه صار يُفسر أحياناً بوصفه انحيازا.
ربما لا تكمن أهمية يوروفيجن 2026 في الفائز أو الخاسر. بل في الحقيقة التي كشفها. لقد انتهى العصر الذي كانت فيه الثقافة تعيش في جزيرة معزولة عن السياسة. انتهى زمن الاعتقاد بأن الأغنية تستطيع أن تطير فوق الجغرافيا من دون أن تلامسها. لقد أصبح المسرح جزءا من العالم. يحمل تناقضاته وصراعاته وأسئلته. ولعل السؤال الأهم ليس لماذا دخلت السياسة إلى الفن. بل لماذا اعتقدنا طوال هذا الوقت أن السياسة كانت خارجه أصلا؟
📲 Partager sur WhatsApp