حين كادت بريطانيا تهزم أمام ورقة الكرنب

بقلم زكية لعروسي, باريس

لو أن الجاحظ كان حيا اليوم، لترك مؤقتا حديثه عن البخلاء، وأغلق دفاتر الحيوان والبيان والتبيين، ثم جلس على مقهى قديم في البصرة أو لندن، وكتب كتابا جديدا عنوانه: “فضائل ورقة الكرنب ومصائبها في آخر الزمان”. فما الذي جرى؟ امرأة خرجت تجمع الطعام للفقراء، فعادت تقريبا وكأنها خرجت من مسرحية عبثية كتبها كافكا وهو يضحك هذه المرة بدل أن يكتئب. لم تضبط وهي تهرب ألماسا، ولم تتّهم بغسل الأموال، ولم يعثر في قبو منزلها على مؤامرة لإسقاط الحكومة. جريمتها، كما يبدو، كانت أكثر خطورة: ورقة كرنب وحيدة تركت في عربة تسوق. ورقة كرنب! ذلك الكائن النّباتي المسالم الذي عاش قرونا كاملة دون أن يثير قلق الحكّام أو يوقظ أجهزة الأمن أو يستفز المجالس البلدية.

لكن يبدو أن العالم الحديث يملك موهبة نادرة: تحويل التوافه إلى ملاحم إدارية. لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش أحيانا تحت حكم ما يمكن تسميته بـ”بيروقراطية الذرة”. ففي الماضي كانت القوانين تكتب لضبط الجيوش والأسواق والضرائب والحدود. أما اليوم، فثمة شعور بأن بعض القوانين قد تستيقظ صباحا وهي تبحث عن أي شيء تعاقبه، ولو كان ورقة خضراء ضلت طريقها نحو سلة المهملات. ولو تأملنا المشهد قليلا لوجدنا فيه درسا فلسفيا عجيبا. إن الحضارات لا تنهار فقط بسبب غياب القانون، بل قد ترهق أيضا بسبب الإفراط في تطبيقه بلا روح. فالعدالة ليست آلة بيع مشروبات غازية تبتلع القاعدة وتخرج العقوبة تلقائيا. إنها فن التمييز بين المقصود وغير المقصود، بين الجريمة والخطأ، بين النية والسهو. وما يثير الضحك والحزن في آن واحد أن المرأة كانت تمضي يومها في محاربة الهدر الغذائي ومساعدة المحتاجين، فإذا بها تُتّهم تقريبا بالمساهمة في خراب النظام الكوني بسبب ورقة كرنب متعبة لم تجد طريقها الصحيح. هنا كان الجاحظ سيبتسم ابتسامته الشهيرة. فهو الذي كان يعرف أن المبالغة هي الأخت الكبرى للكوميديا. ولو جلس ليستجوب ورقة الكرنب نفسها، لربّما دار الحوار الآتي:

“ما اسمك؟”

فتجيب:

“أنا ورقة كرنب.”

“وماذا فعلتِ؟”

“سقطت سهوا.”

“وهل كنتِ تنوين تهديد الأمن العام؟”

“كنت أنوي أن أتحوّل إلى حساء.”

لكن الورقة المسكينة وجدت نفسها فجأة متهمة بقضايا أكبر من حجمها النباتي بكثير. وهكذا ندخل إلى أحد أمراض العصر الأكثر غرابة: عبادة الإجراء. إن الإجراء وجد لخدمة الإنسان، لكن بعض المؤسسات تنسى ذلك أحيانا، فتتحوّل الوسيلة إلى غاية. ويصبح الموظف أشبه بكاهن يحرس نصّا مقدّسا لا يجوز له أن يتساءل عن معناه. وهنا تكمن المفارقة. فالقانون بلا عقل قد يصبح مضحكا. والعقل بلا قانون قد يصبح خطيرا. أمّا الحكمة فهي ذلك الجسر النادر بين الاثنين.ولعلّ أجمل ما في القصة أن الغرامة ألغيت في النهاية باعتبارها “خطأ تقنيا”. يا لها من عبارة حديثة ساحرة! ففي الأزمنة القديمة كانت الآلهة تلام على الحوادث الغريبة، أمّا اليوم فقد ورثت التكنولوجيا هذا المنصب. كل شيء يمكن أن يفسَّر بخطأ تقني، وكأنّ الآلات باتت تمتلك حقّ كتابة الكوميديا البشرية. ومع ذلك، فإن الحكاية ليست عن الكرنب فقط. إنها عن الخوف القديم من عالم يفقد حسّ الدعابة. عالم يمكن أن يعاقب النية الحسنة بسبب تفصيل تافه، بينما تمر أحيانا الأخطاء الكبرى متخفية بربطات عنق أنيقة وتقارير رسمية طويلة. لذلك، احذر أيها القارئ. ليس من اللصوص. ولا من القراصنة. ولا حتى من الجواسيس. بل من ورقة كرنب وحيدة قد تنقلب ذات يوم إلى قضية دولة. ففي زمن البيروقراطية المفرطة، لا أحد يعلم أين تنتهي الخضروات وتبدأ الفلسفة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *