بقلم زكية لعروسي, باريس
في الأزمنة القديمة، كانت الأمم تحشد أساطيرها قبل أن تحشد جيوشها. كان الإغريق يرسلون أخيل إلى ساحات الخلود، وكان الفايكنغ يروون حكايات الذئب الأسطوري «فينريس» الذي كانت الآلهة نفسها تخشى قوته. أما اليوم، ففي القرن الحادي والعشرين، لم تعد الأساطير تخرج من أفواه الشعراء، بل من مصانع الفولاذ والإلكترونيات والذكاء الاصطناعي. ولهذا لم يكن اختيار اسم «فينريس» لهذا المدرع القتالي الجديد مجرد تفصيل تسويقي عابر. فالأسماء في عالم السلاح لا تمنح اعتباطا. إنها رسائل مختصرة عن فلسفة كاملة في الحرب. ظهر «فينريس» في معرض يوروساتوري كأنه قادم من رواية خيال علمي قررت أن تتجسد في الواقع. لا هو دبابة تقليدية بكل ثقلها الجبار، ولا هو ناقلة جنود خفيفة. إنه كائن يقع بين العالمين، بين السرعة والقوة، بين المرونة والنار، بين العقل الإلكتروني وغريزة البقاء القديمة التي لا تزال تحكم ميادين القتال منذ فجر التاريخ.
لقد ظن كثيرون بعد نهاية الحرب الباردة أن المعارك الكبرى ستصبح شأنا من الماضي، وأن التكنولوجيا الرقمية ستجعل الحروب أقل اعتمادا على المدافع الثقيلة. لكن أوكرانيا، والشرق الأوسط، وسلسلة الأزمات المتلاحقة، أعادت تذكير العسكريين بحقيقة قديمة جدا: مهما تطورت الأقمار الصناعية، يبقى هناك لحظة على الأرض تحتاج فيها القوات إلى قوة نارية مباشرة تحسم الموقف. وهنا يولد «فينريس». ليس كبديل للدبابة الحديثة، بل كرفيقها الماكر. إنه يشبه ذلك المبارز السريع الذي يتحرك حول المحارب المدرع الضخم، يفتح الثغرات، يناور، ويضرب حيث لا يتوقع الخصم. مدفعه عيار 105 ملم ليس مجرد قطعة معدنية طويلة مثبتة فوق هيكل مدولب. إنه امتداد لفلسفة عسكرية كاملة تقوم على فكرة أن الحركة قد تكون أحياناً أكثر قيمة من التدريع المفرط، وأن المرونة قد تتفوق على الكتلة.
وفي عالم تتكاثر فيه الطائرات المسيّرة مثل أسراب الحشرات الإلكترونية، لم يعد السلاح مجرد أنبوب يطلق القذائف. أصبح منظومة تفكر وتراقب وتحلل وتختار. إن إدماج الذكاء الاصطناعي في أنظمة الرصد والتسديد داخل «فينريس» يعكس تحولا تاريخياً عميقاً. فالحرب التي بدأت قبل آلاف السنين بعضلات الرماة وعيون الفرسان، أصبحت اليوم تعتمد على الخوارزميات بقدر اعتمادها على الجنود. كأننا نشهد انتقال المعركة من العضلات إلى المعالجات الإلكترونية. لكن المثير في الأمر أن جوهر الحرب لم يتغير. فمنذ العربات الحربية الفرعونية إلى فرسان نابليون إلى دبابات الحرب العالمية الثانية، ظل السؤال العسكري نفسه يتكرر: كيف نصل إلى الهدف أسرع من خصمنا ونضربه بدقة أكبر؟
كل جيل يجيب بلغته الخاصة. ولغة «فينريس» هي لغة القرن الحادي والعشرين. لغة الفولاذ الذكي. لغة البيانات المسلحة. لغة المنصات التي ترى قبل أن ترى، وتقرر قبل أن يقرر الخصم. ومع ذلك، فإن أعظم مفارقات التكنولوجيا العسكرية أنها كلما ازدادت ذكاء، ازدادت تذكيرا بهشاشة العالم. فكل اختراع حربي عظيم هو في الوقت نفسه إنجاز هندسي ورسالة سياسية. إنه يروي قصة المخاوف التي يعيشها عصره. وفي حالة «فينريس»، فإن الرسالة واضحة: الجيوش الغربية تستعد لعالم أكثر اضطرابا، وأكثر سيولة، وأكثر امتلاء بالمفاجآت. ولهذا لم يعد يكفي امتلاك دبابة عملاقة أو صاروخ بعيد المدى. إن المطلوب اليوم هو مزيج من السرعة، والمرونة، والقوة، والذكاء الاصطناعي. إنه عصر الكائنات العسكرية الهجينة. وعندما يقف «فينريس» على عجلاته الست، حاملا مدفعه الضخم وأنظمته الإلكترونية المتطورة، يبدو كأنه تجسيد معدني لفكرة فلسفية قديمة: البقاء ليس للأقوى دائما، بل للأكثر قدرة على التكيف. وهكذا يخرج ذئب الأساطير من غابات الشمال القديمة، لا على هيئة وحش يلتهم الآلهة، بل على هيئة مركبة قتالية فرنسية-بلجيكية تلتهم المسافات وتعيد تعريف مفهوم القوة المتحركة في القرن الحادي والعشرين.
📲 Partager sur WhatsApp