حين يحلم اللون الأبيض بأن يصبح الوطن؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

هناك، في القارة التي أقسمت يوما أن الحرية هي دينها المدني، خرج رجال يرتدون اللون نفسه، ويخفون الوجوه نفسها، ويرفعون شعارا يريد إعادة الزمن إلى رحم لم يعد موجودا. لم يكونوا يسيرون في شوارع واشنطن فقط، بل كانوا يمشون فوق جمجمة التاريخ، يحاولون إقناع العالم بأن الشمس يمكن أن تشرق بلون واحد، وأن الحقول لا يليق بها إلا سنبل واحد، وأن الإنسان يولد كاملا إذا كان يشبه المرآة التي ينظر إليها. إنه حلم قديم… قديم إلى درجة أن أفلاطون ربما رآه وهو يكتب جمهوريته، ثم مزقه لأنه أدرك أن المدينة التي تشبه نفسها فقط، تتحول إلى مقبرة أنيقة.

منذ أن فتح الإنسان عينيه، وهو يطارد وهما اسمه النقاء. مرة سماه نقاء الدم، ومرة نقاء العرق، ومرة نقاء العقيدة، ومرة نقاء القبيلة. لكنه في كل مرة كان ينتهي إلى النتيجة نفسها: الدم كله أحمر، والموت لا يقرأ لون البشرة. قال الفيلسوف الرواقي إن الإنسان مواطن الكون قبل أن يكون مواطن المدينة. أما العرب فقالوا منذ قرون: الناس سواسية كأسنان المشط. ثم جاء الإسلام ليقول في إحدى أكثر العبارات ثورية في التاريخ: لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى. كانت تلك الجملة، في معناها الحضاري، ثورة على فكرة أن اللون يمنح الإنسان قيمة.

ومع ذلك، يبدو أن التاريخ يعشق العودة إلى أخطائه. كل بضعة عقود، يخرج من بين الركام من يعلن أن العالم سيكون أجمل إذا أصبح نسخة واحدة. الطبيعة نفسها تسخر من هذا الادعاء. فالحديقة التي لا تنبت فيها إلا زهرة واحدة ليست حديقة، والغابة التي تضم شجرة واحدة ليست غابة، والسماء التي لا تعرف إلا نجمة واحدة ليست سماء، والنهر الذي يجري بلون واحد لا يكون إلا مستنقعا. فكيف يريد بعض البشر أن تصبح الحضارة، وهي أعظم اختراع للتنوع، نسخة مكررة من وجه واحد؟ إن الذين يحلمون بـ”أمريكا بيضاء” لا يختلف حلمهم، من حيث البنية الفكرية، عن كل الأحلام التي أرادت اختزال الإنسان في هوية واحدة. المشكلة ليست في اللون، بل في تحويل اللون إلى قدر، وإلى معيار للمواطنة والانتماء. أي لون يريدون؟ أبيض الثلج؟ لكن الثلج يذوب. أبيض الرخام؟ لكنه بارد. أبيض الورق؟ لكنه ينتظر دائما من يكتب عليه. إن الأبيض، مثل الأسود، لا يحمل أي قيمة أخلاقية في ذاته. نحن الذين نحمله ما لا يحتمل. بماذا يختلف الأبيض عن الأسود؟

فيزيائيا، بمقدار الميلانين في الجلد. أما أمام الألم، فلا فرق. وأمام المرض، لا فرق. وأمام الشيخوخة، لا فرق. وأمام القبر، لا فرق. إن الجثة لا تحتفظ بلونها طويلا، لكنها تحتفظ بما صنع صاحبها في حياته. لهذا كان ديوجين يضحك من المتفاخرين بأنسابهم، وكان سقراط يسأل أكثر مما يجيب، لأن السؤال يهدم الأسوار التي يبنيها الغرور. والأعجب أن الولايات المتحدة نفسها، التي خرجت من موجات متعاقبة من المهاجرين، تبدو أحيانا كأنها تدخل في حوار مع صورتها في المرآة: هل هي وطن لفكرة، أم وطن لسلالة؟ إنها مفارقة تأسيسية. فمن جهة، تأسست على إعلان يقول إن الناس خلقوا متساوين. ومن جهة أخرى، ظل تاريخها طويلا يصارع العبودية والتمييز والإقصاء. ولذلك فإن ظهور جماعات متطرفة ترفع شعارات التفوق العرقي لا يعني أن المجتمع الأمريكي كله يتبناها، بل يكشف أن الديمقراطيات أيضا ليست محصنة ضد عودة الأفكار المتطرفة، وأن حرية التعبير قد تسمح بظهور خطاب متشدد، مع بقاء المجتمع والقانون في مواجهة مستمرة معه.

ربما أخطر ما في العنصرية أنها لا تكره الآخر فقط، بل تسجن صاحبها داخل قفص الوهم. إنها تجعل الإنسان يختصر الكون في لون، والحضارة في جين، والتاريخ في مرآة. وهل يمكن للكون أن يعيش بلون واحد؟ لو فعل، لما كان كونا. إن أجمل ما في الضوء أنه ليس أبيض وحده، بل يخفي في داخله جميع الألوان، ولا يكشفها إلا عندما يمر عبر منشور صغير. ولعل البشرية كلها ليست سوى ذلك المنشور. كل حضارة تضيف لونا. كل لغة تضيف نغمة. كل شعب يضيف ظلا جديدا إلى لوحة الإنسان. أما الذي يحلم بلوحة ذات لون واحد، فإنه لا يرسم المستقبل، بل يمحو الرسم كله. وهكذا، لا تبدو القضية في نهاية المطاف قضية أمريكا وحدها، بل قضية الإنسان كلما أغراه وهم التفوق. فالحضارات لا تنهض لأنها متشابهة، بل لأنها مختلفة. والقوة ليست في لون البشرة، بل في اتساع العقل، وفي قدرة الإنسان على الاعتراف بأن الآخر ليس تهديدا لوجوده، بل شرطا لاكتمال إنسانيته. فحين يحلم اللون بأن يصبح وطنا، يستيقظ الوطن ليكتشف أنه فقد الإنسان.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *