بقلم الإعلامي حيمري البشير – كوبنهاغن، الدنمارك
ليس أشدّ قسوة على الإنسان من أن يقضي سنوات شبابه وقوته وهو يبني لأبنائه حياة كريمة، ثم يجد نفسه في خريف العمر وحيدًا، يراقب من نافذة الانتظار وجوها غابت، وقلوبا شغلتها الدّنيا عن أصحاب الفضل الأول. إنها مأساة إنسانية وأخلاقية تتجاوز حدود المكان والزمان، لكنها تبدو أكثر إيلاما حين تصيب أسرًا نشأت على تعاليم الإسلام الذي جعل بر الوالدين قرين عبادة الله تعالى، فقال سبحانه: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. لقد عرف المسلمون عبر تاريخهم الأسرة باعتبارها حصنا للتراحم والتكافل، وكان الآباء والأمهات يحظون بمكانة رفيعة تجعل خدمتهم شرفا، ورعايتهم واجبا دينيا وأخلاقيا. غير أن التحولات الاجتماعية والثقافية التي تعيشها بعض الأسر في مجتمعات المهجر أفرزت أنماطا جديدة من العلاقات الأسرية، أصبح فيها التواصل بين الأجيال أضعف، وأصبحت قيم البر والإحسان تتراجع لدى بعض الأبناء تحت تأثير إيقاع الحياة السريع وثقافة الفردانية التي تجعل الإنسان منشغلا بذاته أكثر من انشغاله بأسرته.
ولا شك أن هذه الظاهرة لا يجوز تعميمها على جميع الأسر المسلمة في الغرب، فهناك نماذج مشرقة لأبناء وبنات يضربون أروع الأمثلة في الوفاء لآبائهم وأمهاتهم. غير أن وجود حالات متزايدة من الإهمال أو الجفاء تجاه الوالدين يفرض علينا وقفة تأمل صادقة، لفهم أسبابها ومعالجة جذورها قبل أن تتحول إلى أزمة أخلاقية واجتماعية عميقة. ومن بين العوامل التي تستحق النقاش اختلال التوازن التربوي داخل الأسرة. فحين ينشغل الأب سنوات طويلة بتأمين متطلبات العيش ومواجهة أعباء الحياة، قد يتراجع حضوره التربوي والوجداني في حياة أبنائه، فتضعف العلاقة التي كان ينبغي أن تبنى على الحوار والقرب والمشاركة اليومية. وفي المقابل، تتحمل الأم، بحكم قربها من الأبناء، مسؤولية محورية في غرس قيم الاحترام والوفاء والاعتراف بفضل الوالدين. فالأم الواعية لا تربي أبناءها على محبتها وحدها، بل تزرع في نفوسهم تعظيم مكانة الأب، وتغرس في وجدانهم أن الأسرة لا تقوم إلا بتكامل الأدوار وتبادل الاحترام.
غير أن تحميل النساء وحدهن مسؤولية ما يقع من عقوق أو تفكك أسري لا يعكس الصورة كاملة؛ فالتربية مسؤولية مشتركة بين الأب والأم، كما أن المجتمع بمؤسساته التربوية والدينية والثقافية يتحمل بدوره جزءًا من المسؤولية. فحين تضعف المرجعية القيمية، وتتراجع مكانة الأسرة الممتدة، ويغيب الخطاب التربوي الذي يرسخ معاني البر والرحمة، يصبح الأبناء أكثر عرضة للتأثر بثقافات تنظر إلى الاستقلال الفردي باعتباره قيمة مطلقة، ولو كان الثمن عزلة الوالدين أو إهمالهما. إن أكثر المشاهد إيلاما أن ينتهي المطاف ببعض الآباء بعد عمر من البذل والتضحية إلى عزلة قاتلة، يعيشون ما تبقى من أعمارهم بين جدران باردة، يقتاتون على الذكريات وينتظرون زيارة قد لا تأتي. هناك يصبح الصمت أبلغ من الكلام، وتتحول الساعات إلى سنوات، ويشعر الأب الذي كان يومًا سندًا لأسرته أن الزمن قد انتزع منه حتى حقه في الصحبة والاهتمام.
إن الأمم بما تحفظه من قيم الوفاء والرحمة. وأي مجتمع يفقد حسه الأخلاقي تجاه كبار السن يفقد جزءا من إنسانيته. لذلك فإن الحاجة اليوم ليست إلى تبادل الاتهامات، بل إلى إحياء ثقافة البر بالوالدين في البيوت والمساجد والمدارس والجمعيات، وترسيخ وعي جديد لدى الأبناء بأن ما يقدمونه لآبائهم وأمهاتهم ليس منة ولا فضلا، بل رد لجزء يسير من دينٍ عظيم يستحيل سداده. فالآباء ليسوا أشجارًا يقطف الأبناء ثمارها ثم يتركونها تذبل في آخر العمر، بل هم الجذور التي منحتهم الحياة والثبات والكرامة. ومن فقد وفاءه لجذوره، فقد جزءًا من إنسانيته قبل أن يفقد جزءًا من هويته.
📲 Partager sur WhatsApp