بقلم زكية لعروسي, باريس
في القارة العجوز، حيث تتراكم القرون فوق بعضها مثل طبقات الغبار على مرايا التاريخ، عاد شبح «البريكست» يتجوّل من جديد داخل الممرات الحجرية للسياسة البريطانية. لكن هذه المرة، لم يخرج الصوت من أفواه الحالمين الأوروبيين في المقاهي الأكاديمية، بل من قلب السلطة نفسها. كريس براينت، الرجل الذي يتحدث بلهجة من رأى السفينة تغادر الميناء ثم اكتشف متأخرا أنها كانت تحمل مستقبل بلاده، قالها بمرارة تشبه اعترافات النبلاء المهزومين بعد الحروب الكبرى: «آمل أن أرى بريطانيا تعود إلى الاتحاد الأوروبي في حياتي». بدا ذلك التصريح وكأنه انشقاق روحي داخل الوعي البريطاني نفسه.
بريطانيا التي صنعت الإمبراطورية ذات يوم، والتي كانت الشمس لا تغيب عن مستعمراتها، وجدت نفسها بعد «البريكست» مثل أرستقراطي عجوز يكتشف أن قصره الكبير صار فارغًا، وأن الخدم غادروا بصمت، وأن الأسواق التي كانت تنحني أمام الجنيه الإسترليني لم تعد تنظر إليه بالرهبة القديمة. لقد كان «البريكست» أكثر من قرار سياسي؛ كان تمرّدا عاطفيا ضد العولمة، وضد بروكسل، وضد فكرة الذوبان داخل كيان أوروبي ضخم. لكنه أيضا كان- كما وصفه براينت- «هدفا عكسيا» سجّلته بريطانيا في مرمى نفسها، في لحظة هيستيريا قومية غذّتها خطابات اليمين الشعبوي وخوف الطبقات المنهكة من الهجرة والهوية المائعة.

نيجل فاراج لم يكن مجرد سياسي؛ لقد كان أشبه بعازف مزمار أسطوري قاد الجماهير نحو ضباب قومي كثيف، حيث اختلط الحنين الإمبراطوري بالخوف الاجتماعي. وهنا يستحضر التاريخ شبح الفيلسوف الألماني أوزفالد شبنغلر، صاحب كتاب «أفول الغرب»، الذي رأى أن الحضارات العظمى لا تنهار فجأة، بل تبدأ أولا بفقدان بوصلتها الروحية. اقتصاديا، دفع البريطانيون ثمن الحلم القومي الباهظ. لندن التي كانت القلب المالي للقارة بدأت تشعر ببرودة العزلة. الشركات أعادت حساباتها، والاستثمارات فقدت يقينها، وسلاسل التوريد التي كانت تتحرك بسلاسة داخل الجسد الأوروبي أصبحت تتعثر عند الحدود والجمارك والبيروقراطية الجديدة.
لكن المأساة الأعمق ليست اقتصادية فقط، بل فلسفية أيضًا. لقد اكتشفت بريطانيا أنها، رغم عظمتها التاريخية، لم تعد إمبراطورية قادرة على العيش وحيدة وسط عالم التكتلات العملاقة. الصين تصعد كتنّين اقتصادي، وأميركا تعيد تشكيل العالم بمنطق القوة، والاتحاد الأوروبي – رغم هشاشته – ما زال يمثل واحدة من أكبر الكتل الحضارية والاقتصادية على الأرض. هنا يعود هيغل ليهمس من قبره: «التاريخ لا يسير إلى الخلف». فالدول التي تنسحب من حركة التاريخ تجد نفسها عاجلا أو آجلا على هامشه.
تصريحات براينت ليست مجرد حنين أوروبي؛ إنها اعتراف متأخر بأن السيادة المطلقة قد تكون وهما رومانسيا في عصر الاعتماد المتبادل. لقد كان «البريكست» محاولة لاستعادة بريطانيا المتخيلة، لكنه انتهى بكشف بريطانيا الواقعية: دولة قوية، نعم، لكنها ليست بمنأى عن قوانين الاقتصاد والجغرافيا والتاريخ. واليوم، بينما تتآكل أوهام الانفصال ببطء، يبدو المشهد البريطاني كأنه رواية ضخمة: شعب ممزق بين الكبرياء والخسارة، بين الحنين والخوف، وبين ذاكرة الإمبراطورية وحقيقة العالم الجديد.
📲 Partager sur WhatsApp