شجر البَطْم المصدر للإسم العائلي للعربي باطما

بقلم عبد الله شوكا، كاتب وصحافي- المغرب

للأسماء العائلية حكايات لا تقل إثارة عن حكايات أصحابها، فهي ليست مجرد ألفاظ تلحق بالأشخاص، بل شواهد على الجغرافيا، وذاكرة للمكان، وأصداء لمهن، أو صفات، أو نباتات، أو أشجار، أو وقائع عابرة شاء لها الزمن أن تتحول إلى هوية راسخة. وكثيرا ما يولد الاسم العائلي من مصادفة بسيطة، قبل أن يصبح مع تعاقب الأجيال عنوانا لعائلة، وربما لمرحلة كاملة من التاريخ. فإذا كانت الأسر المغربية تحتفي بميلاد أبنائها بالعقيقة، وتتشاور في اختيار الأسماء الشخصية، فإن الأسماء العائلية كثيرا ما استمدت من الطبيعة نفسها، من جبل، أو واد، أو قبيلة، أو حرفة، أو شجرة ظلت راسخة في الأرض حتى التصق اسمها بأهلها.

ومن بين تلك الأسماء التي تجاوزت حدود العائلة إلى رحاب الذاكرة الفنية المغربية، يبرز اسم الفنان الراحل العربي باطما، أحد أعمدة مجموعة ناس الغيوان، وصاحب الصوت الذي حمل وجع الإنسان المغربي، وأنشد للأرض، والحرية، والهوية. وترجع أصول العربي باطما إلى دوار الشكة بقبيلة أولاد بوزيري، التابعة لمنطقة مشرع بن عبو، ناحية سطات، ذلك الدوار البدوي الذي تحيط به حقول الزيتون، وتفوح في أرجائه رائحة الشيبة والنعناع، حتى إن تلك البيئة الريفية الغنية ألهمته لاحقا عنوان أحد أشهر مؤلفاته “حوض النعناع”، وكأن طفولته ظلت تسكنه، ولم تغادر وجدانه يوما.

وبالقرب من دوار الشكة ينتصب ضريح الولي عبد السلام بوحمرية، الملقب بحمر التراب، وهو المكان الذي خلدته مجموعة ناس الغيوان في إحدى روائعها الغنائية، ليصبح جزءا من الذاكرة الشعبية والثقافية للمغاربة. ولم يكن الضريح مجرد معلمة دينية، بل ارتبط في المخيال الشعبي بحكايات وأساطير تناقلتها الأجيال. فقد اعتقد سكان أولاد بوزيري منذ زمن بعيد أن التراب الأحمر المحيط بضريح الولي عبد السلام بوحمرية يمتلك خصائص علاجية، ولا سيما لعلاج التهاب اللوزتين، فكان المرضى يقصدون الضريح، ويأخذون من ترابه، ويضعونه على موضع الألم، إيمانا منهم بأن البركة كفيلة برد العافية. وهي معتقدات شعبية تشكل جزءا من التراث اللامادي للمنطقة، بصرف النظر عن مدى صحتها العلمية.

غير أن أكثر ما يستوقف الزائر لذلك المكان، أشجار البطم العملاقة التي تنتصب شامخة أمام الضريح، والتي تشير الروايات المحلية إلى أن عمر بعضها يناهز مائة وأربعين سنة، شاهدة على تعاقب الأجيال، وحافظة لذاكرة المكان. وتحت ظلال تلك الأشجار، قضى العربي باطما سنوات طفولته الأولى، وهناك تشكلت علاقته الأولى بالأرض والطبيعة. وفي سيرته الذاتية “الرحيل” يستعيد بشغف تلك الأيام البعيدة، فيحكي عن طفولته البدوية، وعن شغبه الجميل، وعن ركضه بين الحقول، ولهوه مع أترابه، وعن مغامراته اليومية في تسلق أغصان أشجار البطم القائمة أمام ضريح الولي عبد السلام بوحمرية.

ثم انتقلت الأسرة إلى الدار البيضاء، حيث استقرت في الحي المحمدي، وهناك بدأت رحلة أخرى، حملته من فضاءات البادية الهادئة إلى خشبات المسارح، ومن الأزقة الشعبية إلى آفاق الشهرة الوطنية والعربية، ليصبح أحد أبرز الأصوات التي صنعت مجد الأغنية المغربية الحديثة. غير أن الشهرة، مهما اتسعت آفاقها، لم تستطع أن تنتزع من قلب العربي باطما جذوره الأولى. فقد ظل ابن دوار الشكة، يحمل البادية في صوته، والتراب في كلماته، وذكريات الطفولة في وجدانه. ولم ينس يوما ضريح عبد السلام بوحمرية، ولا أشجار البطم التي كانت ملعب طفولته، بل بقي وفيا لها في كتاباته وأغانيه، لأنها لم تكن مجرد أشجار، وإنما كانت جزءا أصيلا من تكوينه الإنساني والوجداني.

ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن شجرة برية، ظلت راسخة في أرض أولاد بوزيري، لم تمنح العربي باطما ظلالها في طفولته فحسب، بل منحته أيضا اسما عائليا أصبح، مع مرور الزمن، واحدا من أكثر الأسماء حضورا في تاريخ الفن المغربي. وهكذا، لم يعد اسم باطما مجرد لقب عائلي، بل غدا رمزا فنيا وثقافيا، يحمل في حروفه عبق البادية، ورائحة التراب، وظلال أشجار البطم، وذاكرة طفل خرج من أحضان الطبيعة ليكتب بصوته وإبداعه صفحة خالدة في سجل الفن المغربي. إنها حكاية تؤكد أن بعض الأشجار لا تثمر ظلا وثمرا فحسب، بل تثمر أيضا أسماء خالدة، وتصنع ذاكرة لا يطويها الزمن، وتمنح أصحابها جذورا تظل راسخة في الأرض، مهما ارتفعوا في سماء المجد، ومهما ابتعدوا عن مسقط الرأس.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *