بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاغن – الدنمارك
غادر المنتخب الوطني المغربي منافسات كأس العالم مرفوع الرأس، بعد مشاركة أكدت مرة أخرى أن كرة القدم المغربية أصبحت رقماً صعباً في الساحة الدولية، وأن ما تحقق في السنوات الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة عمل متواصل ورؤية رياضية واضحة. ورغم الإقصاء أمام المنتخب الفرنسي، فقد خلفت هذه النسخة من البطولة كثيرا من علامات الاستفهام حول مستوى التحكيم في بعض المباريات الحاسمة، وهي تساؤلات لم تقتصر على الجماهير المغربية، بل رافقت عددا من المواجهات التي أثارت نقاشا واسعا بين المحللين والمتابعين. ومن الطبيعي أن تثار مثل هذه النقاشات كلما تعلق الأمر بقرارات تحكيمية مؤثرة في نتائج المباريات، غير أن تقييمها النهائي يبقى مسؤولية الجهات المختصة، بعيدا عن الأحكام القطعية.
ولا يخفى على أحد أن كرة القدم الحديثة أصبحت صناعة عالمية تدر مليارات الدولارات، وأنّ استمرار المنتخبات التي تضم نجوما عالميين يمنح البطولة زخما إعلاميا وتسويقيا استثنائيا، ويجذب المزيد من الجماهير والمعلنين والرعاة. ولذلك تتجدد باستمرار الدعوات إلى تعزيز استقلالية التحكيم، وتطوير آليات الرقابة، حتى تبقى المنافسة محكومة فقط بالكفاءة الرياضية، لا بأي اعتبارات أخرى. لقد كان المنتخب المغربي قريبا من كتابة فصل جديد في تاريخ الكرة الوطنية، غير أن المنتخب الفرنسي عرف كيف يستثمر فرصه، وفرض أسلوبه في لحظات حاسمة من المباراة، مستفيدا من خبرته الكبيرة في مثل هذه المواعيد. كما أن تألق الحارس ياسين بونو، وتصديه لضربة الجزاء، جسد مرة أخرى قيمة هذا الجيل الذي لم يستسلم حتى صافرة النهاية.
وفي المقابل، فإن الأداء التكتيكي للمنتخب المغربي يستحق وقفة تقييم هادئة ومسؤولة. فلكل جهاز فني اجتهاداته، ولكل مباراة ظروفها الخاصة، غير أن النقد الموضوعي يبقى ضرورة لتصحيح الاختيارات والبناء على ما تحقق من مكتسبات، حتى يواصل المنتخب مسيرة التطور التي ينتظرها منه ملايين المغاربة. وربما كان من حسنات هذه المباراة أنها مرت في أجواء اتسمت، في مجملها، بالروح الرياضية، وهو ما جنب الجالية المغربية بفرنسا أي انزلاقات كانت بعض الأصوات تخشى وقوعها. فالرياضة يجب أن تبقى جسرا للتقارب بين الشعوب، لا سببا للتوتر أو الخصومة، خصوصا بين المغرب وفرنسا اللذين تجمعهما علاقات تاريخية وإنسانية واستراتيجية عميقة.
ويبقى الأهم أن المنتخب المغربي أثبت للعالم أنه أصبح ينتمي إلى دائرة المنتخبات الكبرى، وأنّه قادر على مقارعة أقوى المدارس الكروية. وما تحقق ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها الطموح والثقة في المستقبل. لقد منحنا هؤلاء اللاعبون لحظات من الفخر والسعادة، وأعادوا رسم صورة مشرقة لكرة القدم المغربية، وأثبتوا أن المملكة تمتلك جيلا استثنائيا من المواهب القادرة على المنافسة على أعلى المستويات. وإذا كانت هذه البطولة قد انتهت، فإن الحلم المغربي لم ينته، بل ازداد قوة ونضجا. إن المستقبل يبشر بالكثير، خصوصا مع بروز جيل شاب يمتلك الموهبة والشخصية والطموح، وهو ما يجعل المغاربة أكثر ثقة في قدرة منتخبهم على تحقيق إنجازات أكبر خلال الاستحقاقات المقبلة. كل الشكر للاعبين، وللأطقم التقنية والطبية والإدارية، ولكل من ساهم في هذا المشوار المتميز. لقد أدخلتم الفرحة إلى بيوت ملايين المغاربة، وجعلتم الراية المغربية خفاقة في أكبر المحافل الدولية، وستظل إنجازاتكم مصدر فخر واعتزاز، لأن القادم، بإذن الله، سيكون أكثر إشراقا وتألقا.
📲 Partager sur WhatsApp