بقلم زكية لعروسي، باريس
في زمن تتكسّر فيه اللغة على أرصفة العابرين، ويبهت فيه المعنى تحت أقدام السرعة، يخرج قيس بنيحي من جهة لا تشبه الصخب، كأنّه ناسك قديم أضاعته المدن الحديثة، ثمّ وجدته القصيدة جالسًا عند حافّة الكشف، يغسل بالحبر ما علق بروح العالم من غبار. ليس شاعرا يكتب القصيدة فحسب، بل كائنا يعبرها كما يعبر المتصوف باب الخلوة؛ بخفّة العارف، ووجل من رأى شيئا من سرّ النور ثم عاد ليحكيه بلغة البشر.
من يقرأ ديوانه «ليلة الخميس… نفس الجمعة» لا يشعر أنّه أمام نصوص مكتوبة، بل أمام بخور لغويّ يتصاعد من مخطوطة سرّيّة عثر عليها في زاوية مهجورة من زوايا القلب. هناك، حيث تتشابك الأزمنة، وتفقد الساعات معناها، يصبح الخميس ظلّا للجمعة، وتصبح الليلة معبرا بين التراب والحدس، بين الجسد وما يتسرّب منه نحو المطلق.

قيس بنيحي لا يكتب بالكلمات، بل بما يتبقّى منها بعد الاحتراق. ثمّة زعفران صوفيّ يلوّن قلمه. كأنّه غمس الحروف في أحواض خفيّة من نور الشرق، ثم أخرجها مشبعة بذلك الأصفر الروحيّ الذي يشبه الحكمة حين تتجلّى في هيئة عطر. لهذا تأتي نصوصه كأنّها مزيج بين رؤيا أندلسيّة ومكاشفة فارسيّة؛ فيها من ابن عربي اتساع المرايا، ومن شهاب الدين السهروردي فتنة الضوء، ومن جلال الدين الرومي تلك الرقصة الخفيّة التي تجعل المعنى يدور حول نفسه حتى يتجلّى. لكنّ دهشة قيس لا تكمن في صوفيّته وحدها، بل في تلك الرحلة النادرة التي نقلته من مختبر العلوم إلى كيمياء الأرواح.
أيّ يد خفيّة دفعت هذا الرجل ليترك المعادلات الباردة، ويصغي إلى المعادلة الأكثر غموضا: الإنسان؟ كيف انتقل من تحليل المادة إلى تأويل الغياب؟ ومن أيّ شقّ في جدار العلم تسلّل إليه هذا الضوء الذي جعله يرى اللغة كائنا حيّا يتنفّس ويتطهّر ويتألّم؟ في كتاباته، لا يبدو العلم نقيضا للتصوّف، بل درجته الأولى. فالعالم الذي حدّق طويلا في الذرّة، اكتشف أخيرا أنّ الكون ليس مادّة فقط، بل معنى أيضا. وأنّ كلّ معادلة ناقصة ما لم تضف إليها رعشة الروح.
لهذا تبدو قصائده كأنّها مختبر آخر؛ غير أنّ الأنابيب فيه مصنوعة من الصمت، والتفاعلات تحدث بين الذكر والحنين، بين الذاكرة والعدم. حتى اللغة عنده لا تؤدّي وظيفة التعبير، بل وظيفة الكشف. إنّه لا يقول الأشياء، بل يزيح عنها الحجاب. وفي «ليلة الخميس… نفس الجمعة» يتحوّل الموعد إلى استعارة كونيّة. ليس موعدا بين شخصين، بل بين الإنسان وظلّه الأزلي، بين الروح وما تتذكّره من الفردوس القديم. هناك مواعيد لا تسجَّل في دفاتر الوقت، لأنّها تحدث في الداخل، في تلك المنطقة الغامضة التي لا يبلغها سوى الشعراء والمتصوّفة والعاشقين.
يكتب قيس بنيحي كما لو أنّه يسير فوق ماء اللغة. لا استعجال في نصوصه، ولا رغبة في الإدهاش المجّاني. كلّ جملة عنده تشبه بابا خشبيّا عتيقا؛ ما إن تفتحه حتى تنبعث منه رائحة القرون، وأصداء الدراويش، وخطوات العارفين الذين مرّوا من هنا وتركوا على الجدار أثر تسبيحة. وحين يقترب من الصمت، يصبح أكثر بلاغة. كأنّه أدرك ما أدركه المتصوّفة قديما: أن أعظم الكلام هو ما يظلّ ناقصا كي يفسح المجال للسرّ. لهذا لا يمكن قراءة ديوانه بعين نقديّة باردة، لأنّه لا ينتمي إلى الأدب بوصفه صناعة، بل إلى الكتابة بوصفها حالا روحيّة. إنّه نصّ يذاق أكثر ممّا يفسَّر، ويشمّ أكثر ممّا يقرأ. نصّ يجعل القارئ يشعر أنّ الكلمات تمتلك حرارة الجسد وبرودة الكشف في آن معا.
أسئلة إلى قيس بنيحي:
1-أيُّ مرجعيات خفيّة تقودك شاعرنا وأنت تكتب؟
وأنا أكتب أقول دائما بكل اطمئنان ويقين أن والدي الشاعر محمد بنيحي الطنجاوي هو من يحمل يدي. لم يكن لي يوما مسارا أكاديميا أدبيا ولا حتى تكوينا في الكتابة بل كنت أسمح لنفسي التي شربت من عين الشعر منذ الصغر أن تجد في الحرف حرية التعبير والبوح بمحبة العالم. غالبا قد يكون دافع الإيمان بعظمة الخالق وجمال خلقه هو المحرك الأساسي للتعبير عن حمده من خلال كتاباتي

الشاعر محمد بنيحي الطنجاوي, رحمه الله , والد الأديب قيس بنيحي
2- هل كان ابن عربي رفيقك في العتمة؟
لاشك أن صدى ما تركه لنا ابن العربي كما هو الحال بإرث الحلاج والغزالي والرومي ورابعة العدوية وغيرهم من العارفين الذين أدركوا أن محاورة اليقين يكون بالتخلي عن ضجيج الحياة و الاستسلام لحلاوة المحبة الإلهية، ذلك الصدى الذي لا زال يملأ الكون بأنوار مباركة أبحث أن أتلقاه وأن أستلهم منه سبيل الحق وجميل الكلام
3- هل أصغيت طويلا إلى مناجاة محمد بن عبد الجبار النفّري وهو يقول: “كلّما اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة”؟
ليس له فحسب بل لكل أقوال العارفين التي تصلني ومساري بحثا عن المعنى و عن سبيل الفلاح. فعلا قول صائب فعندما تنزع نفسك من ضيق الكسب الدنيوي وتتعلى لرؤية تتضح لك الحقيقة من خلال منظار القلب فيصعب آن ذاك التعبير عن حالة إدراك شعوري إلا من خلال الإشارات الشعرية القادرة على التأويلات الحسية
4-هل صنعت تصوّفك الخاصّ من عبوراتك الشخصيّة، من هشاشتك الإنسانيّة،أم من ذلك الحنين الغامض إلى شيء لا إسم له؟
ذاك هو التصوف في نظري فلا أعتبره حكرا على نموذج مؤسساتي أو أكاروس إيماني. دون أن أسميه تصوفا فقد وجدت نفسي تلقائيا بهشاشتي الإنسانية الجميلة التي تفضلت بتسميتها أمشي وراء ذلك الحنين الفطري الذي يغديني بطمأنينة لا مثيل لها

5- كيف بدأت رحلتك من العالم العلميّ الصارم إلى فضاء الشعر الرحب؟ وهل شعرت يوما أنّ المختبر كان يقودك سرّا نحو القصيدة، أم أنّ العلم نفسه كان مجرّد عتبة أولى لعبورك الروحيّ واللغويّ؟
لم تكنِ العلوم يوما نقيضا للشعر والفنون بوجه عام، بل على العكس تماما، فإن كبار العلماء الذين بصموا تاريخ الإنسانية عبر العصور كانوا يحملون في ذواتهم العلم والفن والشعر والفلسفة معا. ولعل خير دليل على ذلك ما كان يقوله ألبرت أينشتاين Albert Einstein، إذ كان يؤكد أنّ عشقه لموسيقى موزارت Wolfgang Amadeus Mozart، وممارسته للعزف على الكمان كموسيقي متمكن، قد أسهما في انبثاق تصوره لنظرية النسبية. لقد كان أيضا شاعر روحٍ بطريقته الخاصة، وأنا على يقين أنّ في أعماقه شيئا من نفَس المتصوفة، وأنه كان، في مكان ما، صوفيا يبحث عن سر الكون بلغة تتجاوز المعادلات والأرقام.

ربّما هنا يكمن سرّ قيس بنيحي الحقيقي: أنّه لا يكتب من ذاكرة الكتب، بل من ارتجاف التجربة. لقد عرف الطريق إلى الاتّزان لا بوصفه سلاما سهلا، بل بوصفه مصالحة عميقة مع الفوضى. وعرف صفاء الروح لا عبر الهروب من العالم، بل عبر الإصغاء العميق لكسوره الخفيّة. لذلك تأتي نصوصه مثل ماء مرّ طويلا فوق الأحجار؛ صافيا، لكن محمّلا بأسرار الرحلة. إنّه شاعر لا يبحث عن قارئ، بل عن رفيق كشف. وحين تفتح ديوانه، لا تشعر, قارئي العزيز، أنّك تقرأ قصائد، بل أنّك تدخل زاوية صوفيّة تتدلّى من سقفها مصابيح اللغة، ويجلس في آخرها قيسا بلون الزعفران، يبتسم للنور… ويكتب.
📲 Partager sur WhatsApp
نص جميل لقراءة أنيقة بلغة غاية في الشعرية.