عندما تصرخ الطفولة من قاع البئر

بقلم زكية لعروسي, باريس

في بعض الجرائم لا يكون الدم مرئيا، ولا تكون الجثث ممدّدة في الساحات، ولا تصدح صفارات الإنذار في المدن. ومع ذلك، تكون الكارثة أكبر من حرب صغيرة، وأعمق من أزمة سياسية عابرة، وأشد فتكاً من وباء يمر في صمت. إن العنف الجنسي ضد الأطفال ليس مجرد ملف قضائي أو قضية اجتماعية، بل هو زلزال أخلاقي يضرب الأساسات الخفية التي تقوم عليها الحضارة نفسها. حين أعلنت اللجنة المستقلة الفرنسية المعنية بسفاح القربى والعنف الجنسي ضد الأطفال أن ما يجري يرقى إلى مستوى “جريمة جماعية”، لم تكن تستعمل لغة المبالغة. كانت تحاول فقط أن تمنح الكلمات قدرة على ملاحقة واقع يتجاوز الوصف. فالمجتمعات الحديثة التي أرسلت الأقمار الصناعية إلى الفضاء، وفككت الشفرة الوراثية، وابتكرت الذكاء الاصطناعي، ما زالت عاجزة أحيانا عن حماية طفل يقف وحيدا في مواجهة وحش يختبئ داخل البيت أو المدرسة أو المؤسسة التي يفترض أن تكون ملاذا للأمان.

إن المأساة الكبرى ليست في وجود المجرم فقط. المجرمون وجدوا في كل الأزمنة. المأساة الحقيقية تكمن في المنظومات التي ترى ولا ترى، تسمع ولا تسمع، وتعرف أكثر مما تعترف. هنا يصبح السؤال فلسفيا قبل أن يكون قانونيا: كيف تستطيع المجتمعات أن تتعايش مع الألم حين يكون مختبئا خلف الجدران؟ وكيف تتحول المؤسسات التي أنشئت للحماية إلى جزء من سلسلة الصمت؟ كان دوستويفسكي يرى أن سر الإنسان لا يكمن في العقل وحده، بل في المناطق المظلمة من الروح حيث تتصارع الملائكة والشياطين. ولو عاد اليوم ليراقب عالمنا، لوجد أن أكثر الجرائم رعبا ليست تلك التي تقع في الأزقة المظلمة، بل تلك التي تنمو في الظل الاجتماعي، حيث يختلط النفوذ بالخوف، والسلطة بالصمت، والعار بالإنكار. إن قضية ليهانا في فرنسا، كما عشرات القضايا الأخرى التي هزت الرأي العام، لا تكشف فقط عن احتمال فشل أفراد أو قضاة أو إدارات، بل تكشف عن إشكالية أعمق تخص الدولة الحديثة نفسها. فالدولة، مهما بلغت قوتها، تظل كائناً بيروقراطياً يميل إلى تصنيف الألم في ملفات، بينما الضحية تعيشه كزلزال يومي لا يعرف الجداول الزمنية ولا المساطر الإدارية.

التاريخ يعلمنا أن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الغزوات أو الأزمات الاقتصادية، بل تنهار أيضا عندما تفقد القدرة على حماية أضعف أفرادها. وقديما قال الحكماء: “يعرف عدل المدينة من حال أطفالها”. وإذا كان الأطفال يعيشون الخوف داخل البيوت والمدارس، فإن أي حديث عن التقدم يصبح زخرفة فوق جدار متصدع. وفي العالم العربي، تبدو المعضلة أكثر تعقيدا. ليس لأن هذه الجرائم أكثر انتشارا بالضرورة، بل لأن الصمت حولها أكثر كثافة. هناك طبقات متراكمة من الخوف الاجتماعي، والخشية من الفضيحة، وسوء فهم مفهوم الشرف، تجعل كثيرا من الضحايا يعيشون حياتهم كاملة داخل سجن غير مرئي. فالأسرة التي تخشى كلام الناس أكثر من خوفها على الطفل، والمؤسسة التي تحرص على سمعتها أكثر من حرصها على العدالة، والمجتمع الذي يطالب الضحية بالصمت حفاظا على “الستر”، كلها تتحول من دون قصد إلى شركاء في استمرار الجريمة.

في كثير من البلدان العربية ما زال الحديث عن الاعتداءات الجنسية على الأطفال يتم همسا، وكأن المشكلة تختفي إذا امتنعنا عن تسميتها. لكن التاريخ لا يرحم المجتمعات التي تستبدل الحقيقة بالإنكار. فكل جريمة لا تكشف اليوم تتحول غدا إلى جرح نفسي عابر للأجيال. والطفل الذي لم يجد من ينقذه قد يصبح بالغا يحمل داخله ندوباً تعيد إنتاج الألم بأشكال مختلفة داخل المجتمع. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في تشديد العقوبات فقط، رغم أهمية ذلك، بل في بناء ثقافة جديدة تجعل حماية الطفل جزءا من الضمير الجمعي. فالقوانين وحدها لا تصنع الأمان، كما أن السجون وحدها لا تعالج الجذور. المطلوب هو ثورة هادئة داخل المدرسة والأسرة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية، ثورة تجعل الطفل مواطنا كاملا في الوعي الاجتماعي لا مجرد تابع للكبار. ومن منظور سوسيولوجي، فإن المجتمعات التي تنجح في مواجهة هذه الجرائم هي تلك التي تفصل بين حماية السمعة وحماية الحقيقة. فالحقيقة المؤلمة التي تواجه أفضل من الكذبة المريحة التي تُفي الخراب. أما المجتمعات التي تفضل الصمت، فإنها تؤجل الانفجار فقط ولا تمنعه.

لقد كتب الفيلسوف بول ريكور أن الذاكرة العادلة هي التي تعترف بالجراح من أجل تجاوزها. والأمم الناضجة هي التي تملك الشجاعة للنظر في المرآة مهما كانت الصورة قاسية. لهذا فإن أهمية التقارير واللجان المستقلة لا تكمن فقط في الأرقام والتوصيات، بل في قدرتها على كسر جدار الصمت الذي يحول الجريمة الفردية إلى مأساة جماعية. إن السؤال الذي ينبغي أن يطارد ضمير العالم ليس كم عدد الأطفال الذين تعرضوا للعنف، بل كم عدد الأطفال الذين حاولوا الصراخ ولم يسمعهم أحد. فبين أوراق المحاكم وتقارير الخبراء وإحصاءات الحكومات توجد أرواح صغيرة كانت تنتظر بابا يفتح أو يدا تمتد أو صوتا يقول لها: نحن نصدقك. وهنا يبدأ المعنى الحقيقي للعدالة. ليست العدالة أن نعاقب المجرم فقط، بل أن نبني عالما لا يضطر فيه الطفل إلى خوض معركة إثبات براءته أمام الكبار. لأن الحضارة، في نهاية المطاف، هي القدرة على حماية دمعة طفل قبل أن تتحول إلى قدر كامل من الألم.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “عندما تصرخ الطفولة من قاع البئر

  1. لما ينهار وازع الأنا الأعلىالأخلاقي، تنفجر بهيمية اللبيدو. يتحول الكاءن البشيري إلى وحش. والمفارقة تكمن في انفجار ذلك في المؤسسات التي أوكل إليها أمر التربية: الكنيسة، المسيد، المدرسة، الأسرة لما ينهار قانون المحارم. الظاهرة كونية مادام اللبيدو طبيعة كونية، وهو مسكن الشيطان…..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *