(ضمن سلسلة: حكايات وطرائف عاشها البدو)
بقلم عبد الله شوكا – المغرب
على ضفاف نهر أم الربيع، حيث تتعانق زرقة الماء مع سكينة البادية، عاش بّا الحبيب، رحمه الله، رجلا بسيطا لا يملك من الدنيا سوى زوجته وأبنائه الصغار، ودابة تعينه على التنقل، وشباك صيد بالية، و«شومبرير» مطّاطيا يخوض به غمار النهر كلّ صباح، باحثا عن رزق لا يأتي إلاّ قطرة قطرة. كان النهر بالنسبة إليه وطنا ورزقا، وكان يردّد، كما يردّد أهل البادية: «يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر». فما يلتقطه من أسماك يبيعه على حافّة الطريق الوطنية المارة بمحاذاة الدوار، ليعود في آخر النهار بما يسد رمق أسرته، لا أكثر.
في صباح شتوي قارس، خرج كعادته يحمل أدوات الصيد فوق دابته، قاصدا أمّ الربيع. وبينما كان يشق طريقه وسط برد ينخر العظام، استوقفت بصره حمامة برية من طيور «عيشوش»، كانت ترتجف من شدّة الصقيع، عاجزة عن التّحليق، كأنّ البرد قد كبّل جناحيها. رقّ قلب الرجل لحالها. لم يفكّر كثيرا، بل حملها برفق ووضعها فوق متاعه، قائلا في نفسه إنّ دفء الشمس كفيل بأنّ يعيد إليها الحياة، وحينها ستواصل طريقها في السماء.
وصل إلى ضفّة النهر، وهيّأ عدّته كعادته. خلع ثيّابه استعدادا لامتطاء «الشومبرير» المطّاطي والدّخول إلى الماء لنصب الشبّاك. غير أنّه خشي أن يفرّ الطائر إذا استعاد عافيّته، فخطر له أن يربطه بخيط في سرواله، الذي تركه مطويا إلى جانب أمتعته، غير مدرك أنّ هذا القرار سيصبح إحدى أكثر طرائف البادية تداولا.
تمتم كلمته المعتادة: «يا فتّاح يا رزّاق»، ثم دفع نفسه إلى قلب النهر، يوزّع شباكه بين التيارات الهادئة، فيما كانت الشمس تبسط أولى خيوطها الذهبية فوق صفحة الماء. ولم تمض سوى لحظات حتّى بدأ الدفء يسري في جسد الطائر. انتفض أوّلا ثم رفرف بجناحيه، وكأنّه يستعيد ذاكرة الطّيران. وقبل أن يستوعب با الحبيب ما يحدث، انطلق «عيشوش» محلقا في الفضاء… غير أنّه لم يكن وحيدا هذه المرة؛ فقد حمل معه سروال الرجل بكلّ ما فيه. وفي جيب ذلك السروال كانت ترقد ثلاثمائة درهم.
ولعل القارئ اليوم لا يدرك ما كانت تعنيه ثلاثمائة درهم لأسرة بدوية فقيرة آنذاك؛ فقد كانت تعادل أياما طويلة من الكدح، وربما شهرا كاملا من الأمل المؤجل. تجمدت الدماء في عروق با الحبيب وهو لا يزال وسط النهر. ثم قفز من «الشومبرير» مذعورا، وجعل يجدف بذراعيه بكل ما أوتي من قوة حتى بلغ الضفة. وما إن وطئت قدماه اليابسة حتى انطلق حافي القدمين، نصف عارٍ، يركض خلف الطائر، رافعا رأسه إلى السماء، مستعطفا إياه أن يعود إليه بسرواله… وبالثلاثمائة درهم التي كانت تمثل زاد أسرته. كان ينادي الطائر بحرارة من يناشد إنسانا عاقلا:
“يا عيشوش… هبط بالسروال… الله يرحم والديك… ردّ لي رزقي.”
لكن الطيور لا تفهم لغة الفقراء، ولا تتوقف لتفسير حسن النيات. ظل «عيشوش» يصغر شيئا فشيئا في الأفق حتى ابتلعته السماء، واختفى معه السروال، واختفت معه الدراهم، وبقي با الحبيب واقفا وسط الخيبة، يحدق في الفراغ، يلوم طيبته التي أوقعته في هذا المأزق العجيب. ومنذ ذلك اليوم، كلما استعاد تفاصيل الواقعة، هز رأسه بأسى، وردد حكمته التي خرجت من رحم التجربة، لا من بطون الكتب:
«ما دّير خير… ما يطرا باس.»
وهكذا تحولت لحظة إنسانية صادقة، أراد بها الرجل إنقاذ طائر أنهكه البرد، إلى واحدة من أشهر النوادر التي ظل أهل البادية يتناقلونها جيلا بعد جيل، لا للسخرية من بّا الحبيب، وإنّما احتفاء بعفويته، وصفاء قلبه، وبذلك القدر الغريب الذي كثيرا ما يحوّل أسمى أعمال الخير إلى حكايات لا يملك الناس أمامها إلا أن يبتسموا، ثم يتأمّلوا المفارقة التي لا يجيد نسجها سوى الزّمن.
📲 Partager sur WhatsApp