(ترجمة زكية لعروسي) بقلم ماركو باراطو, محلّل سياسي- إيطاليا
في الوقت الذي تنشغل فيه أنظار العالم بألسنة النار المشتعلة في أوكرانيا، أو بالتوترات المتصاعدة في الخليج وممرات التجارة الدولية، تتشكل في جنوب الصحراء الكبرى أزمة لا تقل خطورة، وإن كانت أقل حضورًا في العناوين الكبرى. هناك، في فضاء الساحل الإفريقي الممتد بين الصحراء والسهوب، تتقاطع خطوط الزلازل الجيوسياسية والأمنية، وتتشابك قضايا الإرهاب والانفصال والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود في مشهد معقد يكاد يلخص أزمات القرن الحادي والعشرين بأسره. فمن مالي إلى النيجر، ومن بوركينا فاسو إلى تخوم الجزائر وموريتانيا، لا تدور المعركة حول السيطرة على أراض فحسب، بل حول سؤال أكثر عمقا: هل تستطيع الدولة الوطنية الإفريقية الحفاظ على تماسكها في مواجهة قوى التفكك والتشظي؟
في قلب هذا المشهد المضطرب تبرز قضية إقليم أزواد شمال مالي، حيث تنشط حركات انفصالية أعادت إحياء مطالب قديمة تتعلق بالحكم الذاتي أو الاستقلال. وقد شهدت السنوات الأخيرة بروز تشكيلات سياسية وعسكرية جديدة تسعى إلى توحيد التيارات الانفصالية تحت راية واحدة، مستندة إلى مظالم تاريخية وإثنية وإلى شعور متراكم بالتهميش من قبل السلطة المركزية في باماكو. غير أن المسألة تتجاوز حدود الخلاف السياسي بين المركز والأطراف. ففي منطقة تعاني أصلا من هشاشة المؤسسات وضعف التنمية واتساع رقعة الجماعات المسلحة، يصبح أي مشروع انفصالي عاملا إضافيا لإرباك المشهد الأمني وإضعاف قدرة الدولة على بسط سلطتها. وتجارب العقود الماضية أثبتت أن الفراغات التي تتركها الدول المتراجعة لا تبقى فارغة طويلا؛ إذ سرعان ما تملؤها التنظيمات المتطرفة وشبكات التهريب وتجار السلاح والاقتصادات الموازية التي تعيش على الفوضى وتقتات من غياب القانون.
ولعل ما يضاعف المخاوف هو التداخل المعقد بين بعض الحركات المتمردة والجماعات الجهادية الناشطة في المنطقة. فحتى عندما تختلف الأهداف العقائدية والسياسية، كثيرا ما تفرض ضرورات الميدان أشكالا من التنسيق أو التقاطع المؤقت، الأمر الذي يزيد المشهد تعقيدا ويجعل من الصعب الفصل بين التمرد السياسي والعمل المسلح ذي الخلفية المتطرفة. لقد أظهرت المواجهات المتكررة في شمال مالي أن السيطرة العسكرية على هذه الرقعة الشاسعة ليست مهمة يسيرة. فالجغرافيا القاسية، واتساع المسافات، وضعف البنية التحتية، والتعقيدات القبلية والإثنية، كلها عوامل تجعل أي محاولة لإرساء استقرار دائم تحديا بالغ الصعوبة. ومع ذلك، فإن البديل عن الدولة ليس الاستقرار، بل المزيد من الانقسام والفوضى.
ومن هذا المنطلق، يرى كثير من المراقبين أن دعم جهود الاستقرار في مالي وفي دول الساحل المجاورة لا ينبغي أن يفهم باعتباره انحيازا ظرفيا لهذا الطرف أو ذاك، بل باعتباره دفاعا عن مبدأ أساسي يتمثل في الحفاظ على وحدة الدول وسيادتها. ذلك أن فتح الباب أمام منطق التفكيك والانفصال في منطقة هشة أصلا قد يطلق سلسلة من التفاعلات يصعب احتواؤها لاحقا. فإذا ما اهتزت وحدة مالي، فإن ارتدادات ذلك لن تتوقف عند حدودها. بل قد تمتد إلى دول أخرى تواجه تحديات مشابهة، بما يهدد بتحويل الساحل بأسره إلى فسيفساء من الكيانات المسلحة المتنازعة، الأمر الذي سيقوض جهود مكافحة الإرهاب ويعقد مراقبة الحدود ويمنح الشبكات الإجرامية العابرة للأوطان مجالًا أوسع للحركة والنفوذ.

وفي هذا السياق، تكتسب العلاقات المتوترة بين مالي والجزائر أهمية خاصة. فالجزائر التي اضطلعت لعقود بدور الوسيط والمحاور الرئيس في أزمات شمال مالي، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد تتزايد فيه التباينات حول سبل معالجة الملف الأزوادي ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة. ومع تراكم الخلافات الاستراتيجية، أخذت الثقة المتبادلة تتآكل تدريجيا، بما يعكس حجم التحولات التي يشهدها المشهد الإقليمي برمته. غير أن اختزال ما يجري في صراع بين حكومة ومتمردين سيكون قراءة قاصرة للواقع. فالساحل الإفريقي بات ساحة تتداخل فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة، وتتقاطع فوق أرضه حسابات الأمن والطاقة والهجرة والنفوذ الجيوسياسي. وفي مثل هذا المناخ، يتحول أي ضعف يصيب مؤسسات الدولة إلى فرصة ثمينة للقوى التي تزدهر في بيئات الفوضى وانعدام اليقين.
أما أوروبا، التي كثيرا ما تنظر إلى أمنها من خلال منظور حدودها الشرقية فقط، فإنها قد ترتكب خطأ استراتيجيا إذا تجاهلت ما يجري جنوب المتوسط. فالأزمات التي تعصف بالساحل لا تبقى حبيسة جغرافيتها المحلية؛ إذ تمتد آثارها عبر موجات الهجرة غير النظامية، وتهديدات الإرهاب العابر للحدود، واضطرابات الأسواق، والتحديات المرتبطة بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد. لقد أصبح أمن أوروبا وأمن الساحل وجهين لقضية واحدة، مهما حاولت الجغرافيا أن تفصل بينهما. ومن ثم، فإن المقاربة الأكثر حكمة لا تكمن في الاكتفاء بالحلول العسكرية، بل في بناء استراتيجية شاملة تعالج جذور الأزمة عبر تعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ التعاون الإقليمي، وتحفيز التنمية الاقتصادية، وتوفير البدائل أمام الشباب الذين يجدون أنفسهم بين مطرقة الفقر وسندان الجماعات المسلحة.
إن معركة الساحل ليست مجرد نزاع محلي على النفوذ أو الحدود، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة الحديثة على الصمود في مواجهة قوى التفكك التي تضرب أطراف العالم الهشة. وهي، في الوقت ذاته، تذكير بأن الاستقرار ليس معطى ثابتا، بل مشروع دائم البناء يحتاج إلى إرادة سياسية ورؤية بعيدة المدى وشراكات تتجاوز الحسابات الضيقة. وفي زمن تتكاثر فيه بؤر التوتر عبر القارات، تبدو الحقيقة أكثر وضوحا من أي وقت مضى: إن أمن البحر المتوسط لا يبدأ عند شواطئه، بل في أعماق الساحل الإفريقي، حيث ترسم اليوم ملامح توازنات الغد، وحيث يتقرر جزء مهم من مستقبل الاستقرار الإقليمي والدولي.
📲 Partager sur WhatsApp