بقلم زكية لعروسي, باريس
لم تعد قضية الطفلة ليهانا مجرد ملف جنائي هزّ الرأي العام الفرنسي، بل تحولت إلى اختبار سياسي وقضائي وأخلاقي يكشف هشاشة منظومة حماية الأطفال في مواجهة الجرائم الجنسية. فالتقرير المشترك الصادر عن هيئتي التفتيش في العدل والدرك لا يكتفي بتشخيص أخطاء إجرائية معزولة، بل يرسم صورة مقلقة لسلسلة من الإخفاقات المتراكمة التي سمحت، بحسب نتائجه، باستمرار الخطر رغم وجود إشارات إنذار مبكرة. وفي بلد يفاخر بتقاليده القانونية ومؤسساته الرقابية، جاء الاعتراف الرسمي بأن «سلسلة الحماية قد فشلت» بمثابة زلزال سياسي. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بمصير طفلة فقدت حياتها في ظروف مأساوية، بل بقدرة الدولة على الوفاء بأحد أكثر التزاماتها جوهرية: حماية الأطفال من العنف والاستغلال.
تكشف المعطيات الأولية أن السلطات وجدت نفسها أمام واقع أكثر تعقيدا مما كان يعتقد. فإعادة فحص نحو 70 ألف شكوى مرتبطة بعنف جنسي ضد أطفال لم تكن مجرد إجراء استثنائي اتخذ تحت ضغط الرأي العام، بل اعتراف ضمني بوجود تراكمات إدارية وقضائية تحتاج إلى مراجعة عميقة. ويعكس الإعلان عن إيداع 134 شخصا الحبس الاحتياطي منذ بدء عملية التدقيق حجم الفجوة بين عدد البلاغات المقدمة وسرعة الاستجابة المؤسسية لها. فهذه الأرقام تطرح أسئلة تتجاوز الملف الحالي: كم من الشكاوى بقيت دون معالجة فعالة؟ وكم من الضحايا اضطروا إلى الانتظار بينما كانت الإجراءات تتعثر بين المكاتب والاختصاصات المتداخلة؟ أدخلت القضية الحكومة الفرنسية في منطقة شديدة الحساسية. فحين يتعلق الأمر بحماية الأطفال، لا يمكن للاعتبارات الحزبية أو الإدارية أن تشكل درعا واقيا أمام الغضب الشعبي. وقد وجد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو ووزير العدل جيرالد دارمانان نفسيهما في مواجهة مطلب متصاعد بالمحاسبة. فالرأي العام لا يبحث فقط عن تحديد المسؤوليات الفردية، بل يريد فهما لكيفية تحوّل سلسلة من الأخطاء الصغيرة إلى فشل مؤسسي كبير كانت كلفته حياة طفلة. وتزداد الضغوط مع الحديث عن دعاوى قضائية ضد الدولة نفسها، وهو تطور يعكس انتقال النقاش من دائرة الخطأ الإداري إلى دائرة المسؤولية العامة للدولة تجاه مواطنيها.
غالبا ما تنتج الأزمات الكبرى لحظات إصلاح تاريخية، لكن التجربة الأوروبية تظهر أن الصدمة وحدها لا تكفي. فالمطلوب ليس فقط مراجعة الملفات القديمة، بل إعادة بناء آليات الإنذار المبكر والتنسيق بين الشرطة والقضاء والخدمات الاجتماعية. كما أن نجاح أي إصلاح سيقاس بقدرته على تحويل حماية الطفل من ملف إداري إلى أولوية استراتيجية دائمة. فالمشكلة التي كشفتها قضية ليهانا ليست نقص القوانين فحسب، بل احتمال وجود فجوة بين النصوص والتطبيق. تكمن خطورة هذه القضية في أنها أجبرت الدولة الفرنسية على مواجهة سؤال مؤلم: ماذا يحدث عندما تفشل المؤسسات التي يفترض أن تحمي الأضعف؟وفي انتظار نتائج التحقيقات والإصلاحات الموعودة، تبقى قضية ليهانا رمزا لمرحلة مفصلية قد تعيد رسم العلاقة بين العدالة والمجتمع والثقة العامة. فالتحدي لم يعد مقتصرا على معاقبة الجناة، بل أصبح متعلقا بإعادة بناء منظومة قادرة على منع المأساة المقبلة قبل وقوعها.
📲 Partager sur WhatsApp