كيف تكتشف السياسة أن الموت هو آخر جنودها؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

كان الفيلسوف الروماني يقول إن الموت هو الحقيقة الوحيدة التي يتساوى أمامها الحكام والرعاة. لكن السياسة، منذ أن اكتشفت أن الجماهير تبكي أكثر مما تفكر، لم تترك الموت يموت على طبيعته. سرعان ما حوّلته إلى منصة، والنعش إلى منبر، والحداد إلى استفتاء على الولاء. ما إن يقتل زعيم، أو يسقط قائد، حتى تبدأ حياة أخرى لا تخصه هو، بل تخص الذين بقوا خلفه. هنا يغادر الإنسان التاريخ، وتدخل صورته إلى الأسطورة. يتوقف الجسد عن الحركة، لكن الكلمات تبدأ بالركض. يصبح الصمت نفسه خطابًا، والدمعة بيانًا سياسيًا، والجنازة مسرحًا تتنافس فيه الذاكرة والسلطة على كتابة الفصل التالي.

هذه ليست ظاهرة تخص إيران وحدها، ولا الشرق الأوسط وحده. إنها إحدى أقدم أدوات السياسة. فمنذ روما القديمة، مرورا بالثورات الأوروبية، وصولًا إلى حركات التحرر في القرن العشرين، كانت الجنازات الكبرى لحظات يعاد فيها تعريف الجماعة، ويُعاد فيها توزيع العواطف قبل توزيع السلطة. غير أن المجتمعات التي عاشت ثورات طويلة أو حروبًا متكررة تمنح الجنازة وظيفة إضافية. فهي لا تودع الماضي فحسب، بل تستدعي المستقبل. لا تكتفي بالرثاء، بل تفتح حسابا جديدا مع الخصوم. وهنا يصبح الموت رأسمالا سياسيا، ويغدو الحزن لغة تعبئة.

لقد أدرك ماكس فيبر أن الشرعية لا تقوم على القوة وحدها، بل على الرموز أيضا. وأدرك روني جيرارأن العنف يمتلك قدرة عجيبة على إعادة إنتاج نفسه حين يُلبس ثوب القداسة أو المظلومية. وما بين الرمز والعنف تولد تلك اللحظة التي يتغير فيها معنى الجنازة؛ فلا تعود خاتمة حياة، بل مقدمة لخطاب جديد. وهنا ينبغي التمييز بين الإيمان وتوظيفه. فكل دين يحمل في جوهره مساحة للتعزية والرحمة والرجاء، لكن السياسة قد تستعير مفردات الدين لتمنح مشروعها قوة عاطفية إضافية. ليست المشكلة في الطقس، بل في الطريقة التي يدفع بها الطقس ليؤدي وظيفة ليست من طبيعته.

ولذلك فإن السؤال ليس: لماذا يبكي الناس زعيما رحل؟ فهذا من طبائع البشر. السؤال الأعمق هو: متى تتحول الدموع إلى برنامج سياسي؟ ومتى يصبح الحداد مشروعا مفتوحا للمواجهة بدل أن يكون مناسبة للتأمل والمراجعة؟ التاريخ يعلمنا أن الأمم التي تجعل من الثأر فلسفة دائمة تظل أسيرة الحلقة نفسها. فكل جنازة تلد جنازة أخرى، وكل شعار انتقام يستدعي شعارا مضادا، حتى يصبح الزمن دائرة مغلقة لا تعرف إلا إعادة إنتاج الألم. وقد كتبت حنا أرنت أن العنف قد يفرض الطاعة، لكنه لا يبني الشرعية الأخلاقية وحده. أما الدولة التي تعتمد باستمرار على استدعاء الذاكرة الجريحة، فإنها قد تربح لحظة التعبئة، لكنها تخاطر بأن تجعل الماضي أقوى من المستقبل.

وليس هذا حديثا عن شعب بعينه أو مذهب بعينه، بل عن آلية عرفتها تجارب سياسية متعددة. ففي أماكن مختلفة من العالم، استخدمت الجنازات لتوحيد الصفوف، أو لإعلان القطيعة، أو لتبرير الحرب، أو لتأجيل الأسئلة الصعبة. إنها لحظة يتداخل فيها الصدق الإنساني مع الحساب السياسي، فلا يعود من السهل الفصل بين الدموع الصادقة والخطابات المصنوعة. ولعل أكثر ما يحتاجه العالم اليوم هو أن تستعيد الجنازة معناها الأول: أن تكون مساحة لوداع الإنسان، لا منصة لاستدعاء الموت من جديد. فالراحل لا يعود إذا امتلأت الساحات بالشعارات، والأوطان لا تبنى على تراكم الجنائز، بل على القدرة على كسر سلسلة الثأر.

كان الحكماء يقولون: “النار لا تطفئها النار.” والسياسة التي تجعل من كل قبر بداية لمعركة جديدة، إنما تحكم على الأحياء بأن يعيشوا داخل مقبرة رمزية لا تنتهي. إن قوة الدول ليست بعدد من يستطيعون تحويل المأتم إلى مهرجان تعبئة، بل بعدد من يستطيعون تحويل الفاجعة إلى فرصة للحكمة، والغضب إلى قانون، والذاكرة إلى مصالحة. لا يكون السؤال: كم كان المشيعون كثيرين؟ بل: ماذا أنجبت تلك الجنازة بعد أن عاد الناس إلى بيوتهم؟ دولة أكثر اتزانا، أم دورة جديدة من الدم؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي لأي أمة؛ ليس في قدرتها على تشييع موتاها، بل في قدرتها على حماية أحيائها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *