العنصرية ترتدي قميص المنتخب

بقلم زكية لعروسي, باريس

كم هو غريب هذا الكائن الذي يسمى الإنسان! يستطيع أن يرسل مسبارا إلى أطراف النظام الشمسي، ثم يعجز عن عبور سنتيمتر واحد بين لونين من ألوان الجلد. يبني الملاعب كأنها كاتدرائيات حديثة، ثم يدخلها وهو يحمل في جيبه حجرا من العصر الحجري. يكتب في دساتيره أن البشر يولدون أحرارا ومتساوين، ثم يقف أمام لاعب يسجل هدفا فينسى كل الفلسفة، ويتذكر فقط كمية الميلانين في بشرته. كأن الحضارة، بعد آلاف السنين، لم تنجح إلا في تغيير الملابس… أما الغرائز فقد بقيت ترتدي جلدها القديم.

كرة القدم ليست مجرد لعبة. إنها آخر مختبر اجتماعي بقي مفتوحا أربعا وعشرين ساعة أمام البشرية كلها. فيها ترى الأمم وهي تحكي قصتها دون أن تنطق بكلمة. وفيها أيضا ترى الأكاذيب وهي تخرج من أفواه أصحابها بمجرد أن تهتز الشباك. ما الذي يجعل إنسانا، في لحظة غضب رياضي، ينسى الخطة والمهارة والتمرير، فلا يرى أمامه إلا الأصل والعرق واللون؟ أي مرض هذا الذي يجعل لون الجلد أكثر أهمية من القدم التي راوغت خمسة مدافعين؟ وأي هزيمة أخلاقية تلك التي تجعل الانتماء البيولوجي أقوى من الإعجاب بالموهبة؟

لقد كان حنا آرنت ترى أن الشر لا يأتي دائما مرتديا وجه الوحوش، بل قد يأتي عاديا، يوميا، مألوفا، حتى يصبح جزءًا من اللغة نفسها. وربما هذا هو أخطر ما يحدث اليوم. فالعنصرية لم تعد تصرخ دائما. أحيانا تبتسم. تختبئ داخل نكتة. داخل تعليق رياضي. داخل استعارة تبدو بريئة. داخل جملة تبدأ بعبارة: “أنا لست عنصريا، ولكن…” ثم تكمل ما لم يعد يحتاج إلى تفسير. لقد فهم فرانتز فانون مبكرا أن الاستعمار قد يغادر الأرض، لكنه يترك وراءه خرائط خفية داخل العقول. ولهذا فإن بعض المباريات تتحول فجأة إلى استفتاء على الهوية بدل أن تكون اختبارا للمهارة. وكأن الكرة لم تعد مستديرة. بل أصبحت مرآة. كل متفرج يرى فيها نفسه. الإنسان المتسامح يرى احتفالا عالميا. أما العنصري فلا يرى إلا حدودا وهمية رسمها الخوف.

وهنا تكمن المفارقة. الجسد الذي يحرز الهدف هو ذاته الذي يهاجمه العنصريون عندما ينتصر، ثم يطالبونه بإنقاذ المنتخب عندما يخسر. إنه مطلوب حين يسجل. ومرفوض حين يتذكر البعض لون بشرته. أي منطق هذا؟ هل أصبح الوطن عقد إيجار مؤقتا، ينتهي بمجرد أن تختلف الملامح؟ لقد قال الحديث: “الناس سواسية كأسنان المشط.” لكن يبدو أن بعض العقول ما زالت تصر على عدّ الأسنان قبل أن تعترف بأنها تنتمي إلى الفم نفسه. التاريخ كلّه كان رحلة طويلة للخروج من القبيلة. غير أن بعض الخطابات تريد إعادتنا إليها، ولكن بأسماء أكثر أناقة.

لم تعد القبيلة تحمل الرمح. بل تحمل حسابا على منصة اجتماعية. ولم تعد تحرق البيوت. بل تحرق السمعة. ولم تعد تمنع الإنسان من دخول المدينة. بل تمنعه من الانتماء إليها. والسؤال الذي ينبغي أن يقلقنا ليس: لماذا توجد العنصرية؟ لقد عرفنا أنها قديمة قدم الإنسان. السؤال الحقيقي هو: لماذا تعود كلما ظننا أنها ماتت؟ هل لأنها لم تمت أصلا؟ أم لأنها تغير جلدها فقط؟ ربما كانت كرة القدم بريئة. فهي لا تعرف سوى قانون واحد: الكرة أسرع من الكراهية. لكن الإنسان هو الذي يصر على تحويل المستطيل الأخضر إلى منصة لمحاكمة الأنساب. وفي النهاية، لا تُهزم كرة القدم عندما يخسر منتخب. إنها تهزم عندما يصبح لون اللاعب أهم من الهدف الذي سجله. ذلك اليوم لا تخسر بطولة العالم…بل تخسر الإنسانية مباراة أخرى أمام شبحها القديم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *